كريستوفر كالدويل يكتب: أوروبا في وثيقة الأمن القومي الأميركية

وجهت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي أصدرها الرئيس دونالد ترامب الأسبوع الماضي، رسالة إلى القارة الأوروبية صدمت العالم. إذ تشير الوثيقة إلى أن الدول الأوروبية العريقة، الغارقة في الهجرة الجماعية، وتعاني من مشكلات مع قادة الاتحاد الأوروبي، والتي باتت غير قادرة بشكل متزايد على زيادة سكانها، لا تواجه تدهوراً اقتصادياً فقط، بل أيضاً تتعرض لخطر «محو حضاري» وشيك. وتضيف الوثيقة أنه في المستقبل القريب، «ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانت بعض الدول الأوروبية ستمتلك اقتصادات وجيوشاً قوية بما يكفي لتظل حلفاء موثوقين».وحمل المنتقدون على جانبي الأطلسي ترامب مسؤولية إرباك «الناتو» وتدخله في قضايا شديدة البعد عن الأمن القومي، كالهجرة والثقافة والديموغرافيا، وتعتبر في نظرهم مجالات لا يخوض فيها إلا كارهو الأجانب. غير أن هذا ليس الفهم الصحيح للوثيقة، فعند قراءتها بعناية، تبدو الفقرات الخاصة بأوروبا أقرب إلى دفاع عن القارة. فهي تتضمن وصفاً لأوروبا بأنها «ذات أهمية استراتيجية وثقافية حيوية» للولايات المتحدة. وغفل الكثير من المنتقدين الغاضبين عن التفريق بين أوروبا كمنطقة جغرافية تمثل أيضاً ثقافة نشأت عبر قرون من مزيج من العقلانية اليونانية والتوحيد الشرق الأوسطي، وبين الاتحاد الأوروبي، وهو مشروع عمره 33 عاماً يهدف إلى استبدال الدول القومية الأوروبية بنظام جديد للحوكمة العابرة للحدود مقره بروكسل.وتربط الوثيقة بشكل مباشر التحول الديموغرافي في أوروبا بتغيرات في الشخصية الوطنية، حيث تقول: «من المرجح أن تصبح بعض دول الناتو خلال بضعة عقود على الأكثر، ذات أغلبية غير أوروبية. وبذلك يبقى سؤالاً مطروحاً حول ما إذا كانت هذه الدول ستنظر إلى مكانتها في العالم، أو إلى تحالفها مع الولايات المتحدة، بنفس نظرة الموقعين على ميثاق الناتو».ولأن تلك الفكرة هي ما أثارت الغضب والانتقادات، فالرد عليها يكمن في أن دول أوروبا كيانات حقيقية، ذات خصائص ثقافية وحضارية مميزة، تُبنى عليها عمليات السلام والحرب، وليست مجرد مناطق محددة بشكل اعتباطي يُتوقع أن تبقى على حالها بغض النظر عن سكانها.وفي فرنسا، يزداد عدد السكان العرب والمسلمين، وأصبحوا أكثر تأثيراً ونشاطاً سياسياً. وقاد حزب «فرنسا الأبية» ائتلافاً فاز في الانتخابات الوطنية عام 2024، رغم أن أغلبية مقاعده لم تُؤهله لتولي السلطة. ويتبنى الحزب، بقيادة جان لوك ميلانشون، نهجاً قومياً متشدداً، يُدافع عن المسلمين والمهاجرين غير الأوروبيين في البلاد، مستنداً إلى برنامج يتضمن إعادة توزيع الدخل والثروة، مع انتقادات لاذعة لإسرائيل.وقد نتفق مع تشخيص ترامب لكن نستنكر وصفة العلاج التي يقدمها، حيث يقترح إعادة بناء أسس التحالف الأطلسي من خلال «تعزيز مقاومة المسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية». ويعني ذلك دعم القوى «الوطنية» التي تعارض المزيد من التكامل الأوروبي، بما يتضمن، على الأرجح، حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي الوطني، الذي يقترح بعض أعضاء الأحزاب الألمانية العريقة حظره باعتباره متطرفاً.وفي أعقاب نشر الوثيقة، استنكر النائب غريغوري ميكس، «الديمقراطي» عن ولاية نيويورك، الطريقة التي «تتجاهل بها الاستراتيجية عقوداً من القيادة الأميركية القائمة على القيم».لكن الوثيقة ليست كذلك، بل تطرح مجموعة مختلفة من القيم والمبادئ. وبينما ينحاز ترامب إلى أحد الأطراف، فإنه ليس أكثر تشدداً في معاداة الاتحاد الأوروبي مما كان عليه أسلافه. وفي عام 2016، شن الرئيس باراك أوباما حملة ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مهدداً بوضع بريطانيا في «آخر قائمة الانتظار» فيما يتعلق بالاتفاقيات التجارية إذا اختارت الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.وبالنظر إلى استراتيجيات الأمن القومي السابقة، نجد أن المواقف تجاه الهجرة والثقافة والديموغرافيا قد أثرت في نهج أميركا لبناء التحالفات بنفس القدر الذي تؤثر به في نهج ترامب. لكن هذه المواقف كانت مختلفة. أعلن السيد أوباما في عام 2010 أن «تنوعنا جزء من قوتنا» في اقتصاد عالمي اعتبر الولايات المتحدة «مرتبطة به ارتباطاً وثيقًا».وفيما يتعلق باستراتيجيات الأمن القومي السابقة، فإن المواقف من الهجرة والثقافة والديموغرافيا قد أثرت في نهج الولايات المتحدة لبناء التحالفات بالقدر نفسه الذي تفعله اليوم في عهد ترامب. إلا أن تلك المواقف كانت مختلفة. ففي عام 2010، أعلن أوباما أن «تنوعنا جزء من قوتنا» في اقتصاد عالمي اعتبر الولايات المتحدة «مرتبطة به ارتباطاً وثيقاً».ويهاجم ترامب الإدارات السابقة لأنها، في رأيه، راهنت خطأً على العولمة و«التجارة الحرة»، ما أضعف الطبقة الوسطى والصناعة الأميركية اللتين يعتمد عليهما تفوق البلاد الاقتصادية والعسكرية. وبينما ركز أوباما على حماية المعايير العالمية، يسعى ترامب إلى تأمين بقاء الولايات المتحدة والدول ذات التوجهات المشابهة لها.القيم التي تقوم عليها الحضارة الأوروبية، بمفهومها التقليدي، تشكل جزءاً أساسياً مما تعهدت الولايات المتحدة بحمايته عام 1949 عند تأسيس «الناتو»، وهو ما منح الحلف الهدف والتماسك والاستمرارية.وشهدت القارة فترات تراجع كثيرة وصمدت، وتخطت موجات الطاعون، ونجت من نابليون وهتلر وستالين، وهي أزمات لم تُضعف ثقافتها أو تهدد استمراريتها التاريخية بقدر ما فعلته ثلاثة عقود ونصف من النظام الدولي الليبرالي ذي الطابع الأميركي.*كاتب أميركي مؤلف كتاب «تأملات في الثورة الأوروبية: الهجرة والإسلام والغرب» و«عصر الاستحقاق: أميركا منذ الستينيات».

amaعربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment