كوليت ديفيدسون تكتب: أوروبا.. وعودة الخدمة العسكرية

في الشهر الماضي، عندما كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن برنامج عسكري تطوعي جديد، قوبل ذلك بمستويات قياسية من التأييد الشعبي في فرنسا. وجاء هذا التفاعل، في وقت تتراجع فيه شعبية الرئيس، دليلاً على ما يتجاوز السياسة: فرنسا مستعدة للدفاع عن نفسها.ومع استمرار الحرب في أوكرانيا على بُعد يزيد قليلاً على 1200 ميل، يتزايد الوعي في فرنسا بضرورة تأمين حدودها حال وقوع عدوان عليها. سيوفر البرنامج، الذي تبلغ قيمته 2 مليار يورو، تدريباً عسكرياً مدفوع الأجر لمدة 10 أشهر للشبان والشابات الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 عاماً، بهدف تزويد آلاف الشباب بمهارات الأمن الداخلي، ما يُعزز قدرة فرنسا على توفير احتياطيات كبيرة في حال نشوب نزاع مسلح.وليس ماكرون وحده من يضع الدفاع في صدارة اهتمامه. فمع اقتراب دخول الحرب في أوكرانيا عامها الرابع، ومواجهة أوروبا لأكبر تهديدات لحدودها منذ الحرب الباردة، يعيد قادة القارة النظر بجدية في قوة جيوشهم.لكن بينما يناقش القادة الأوروبيون فوائد الخدمة الإلزامية مقابل التطوعية، ومن تشملهم ومدة الخدمة، يواجهون تحدياً أكبر: كيف يمكن إقناع الرأي العام بقيمة الانضمام إلى صفوف الجيش.«جان كلود ألار»، الباحث الأمني المشارك في المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية يرى أن: «الهدف الأساسي للجيش هو بناء كوادر دفاعية. لا يمكنك أن تقول للشباب: انضموا إلى الجيش، ستكون إجازة ممتعة».في عام 2017، أطلق الرئيس ماكرون برنامج الخدمة الوطنية الشاملة، وهو برنامج تجنيد عسكري لتعزيز الفخر والوحدة الوطنية. ركّز البرنامج على الحد من جنوح الشباب المتعثر وبناء التماسك الاجتماعي، لكنه لم يسهم كثيراً في تعزيز القدرات الدفاعية لفرنسا.والآن، يقول المراقبون، إنه يتعين على فرنسا – وأوروبا – إعادة ترتيب أولوياتها.يقول «مارتن كوينس»، المدير التنفيذي للاستشراف الاستراتيجي في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» في باريس: «على مدى الثلاثين عاماً الماضية، نظرنا إلى جيشنا على أنه قادر على القيام بكل شيء عدا الدفاع. والآن، ندرك أن الجيش لن يحل جميع مشاكل المجتمع».بدلاً من ذلك، يتطلع قادة أوروبا إلى تعزيز جيوشهم النظامية وتنمية قوات الاحتياط، مع تزايد التهديدات الخارجية.في 11 ديسمبر، وجّه الأمين العام لحلف الناتو «مارك روته» تحذيراً صارخاً لأوروبا، قائلاً إن على القادة تعزيز جهودهم الدفاعية أو المخاطرة بحرب على نطاق شبيه بما عانى منه «أجدادنا وأجداد أجدادنا». كما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوروبا في وقت سابق من هذا الشهر بأنها «ضعيفة»، وهدد بسحب دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا.وقد بدأت أوروبا بالفعل في الاستجابة لهذه الدعوات. ففي هذا الشهر، دعت بلجيكا الشباب البالغين من العمر 17 عاماً للانضمام إلى جيشها مقابل حوالي 2000 يورو شهرياً، وأعلنت ألمانيا إعادة العمل بنظام الخدمة العسكرية التطوعية لمن يبلغون 18 عاماً. ومنذ عام 2023، تُدير هولندا برنامجاً للخدمة العسكرية التطوعية.لكن هذه الدول توقفت عند حد جعل الخدمة العسكرية إلزامية. ففي معظم دول أوروبا الغربية والوسطى، انتهت برامج التجنيد الإجباري قبل 25 إلى 35 عاماً في أعقاب الحرب الباردة. ويقول مراقبون إن إجبار الشباب على الانضمام إلى القوات المسلحة خطوة لا تزال كثير من الحكومات مترددة في اتخاذها.حالياً، تقوم ما يقرب من 12 دولة من دول الاتحاد الأوروبي، معظمها مجاورة لروسيا أو أوكرانيا، بتطبيق برنامج للخدمة الإلزامية. وقد كان الشعور بالتهديد الروسي كافياً لدفع الشباب إلى الانضمام إلى جيوشها. لكن القرب الجغرافي ليس السبب الوحيد لنجاح بعض البرامج العسكرية دون غيرها. ففي الدول الإسكندنافية، نجحت الحكومات في جعل الخدمة العسكرية جزءاً من الهوية الوطنية.في نوفمبر 2024، أرسلت الحكومة السويدية كتيباً بعنوان «في حال اندلاع حرب» إلى كل منزل في البلاد، لتعليم أهمية الاكتفاء الذاتي والاستعداد للحرب. كما ذكّرت الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و70 عاماً بواجبهم في «الدفاع الشامل» عن بلادهم.وقد نجحت هذه الرسالة لأن «هناك ثقة مجتمعية في السويد بأن الحكومة تسعى لمصلحتهم»، كما يقول «ستيفن إيفرتس»، مدير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية. ويضيف: «الحكومة تمثلنا، لا تمثلهم».ينظر حوالي 43% من السويديين إلى حكومتهم الوطنية نظرة إيجابية، متجاوزين بذلك متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 39%. كما تتمتع الدنمارك وفنلندا بمستويات عالية من الثقة بالحكومة، ورغم أن الخدمة العسكرية إلزامية فيهما، فإنهما لم تضطرا إلى استخدام قوات الاحتياط لزيادة أعداد الجنود.مع ذلك، لا يربط الجميع في أوروبا بين الواجب العسكري والفخر الوطني. فقد أمضت ألمانيا عقوداً في محاولة التخلص من ماضيها النازي وإعادة بناء صورتها كدولة مسالمة. وعندما أعلنت الحكومة الأسبوع الماضي عن إعادة العمل بالخدمة العسكرية التطوعية لمن يبلغون 18 عاماً، خرج عشرات الآلاف من الطلاب في جميع أنحاء البلاد من فصولهم الدراسية احتجاجاً.وعلى الرغم من أن 34% فقط من الفرنسيين يقولون إنهم يثقون بحكومتهم الوطنية، فإن نحو ثلاثة أرباعهم أيدوا مبادرة ماكرون العسكرية التطوعية، وفقاً لاستطلاع أجراه معهد «إيلاب»، كما أن 89% لديهم نظرة إيجابية تجاه الجيش بشكل عام.ويقول مراقبون إن هذه الأرقام تعكس إحساساً عاماً بالتهديد في أنحاء أوروبا يفوق العوامل الأخرى. فقد أعلنت بولندا هذا العام أنها ستطلق «تدريباً عسكرياً واسع النطاق لكل رجل بالغ»، وفي أواخر أكتوبر أعلنت كرواتيا أنها ستعيد فرض التجنيد الإجباري بعد 17 عاماً من الخدمة الطوعية.في غضون ذلك، أعادت الحرب الأوكرانية إحياء رغبة بريطانيا في تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، حيث يقود رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى جانب الرئيس ماكرون، مبادرة «تحالف الراغبين» المقترحة لحفظ السلام في أوكرانيا.

amaعربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment