زاكاري كارابيل يكتب: الاقتصاد الأميركي.. تفاؤل محدود

في أوائل أبريل الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق، واصفًا ذلك اليوم بـ«يوم التحرير». وتراجعت الأسواق بشكل حاد بسبب ذلك، وتوقّع معظم المراقبين ارتفاعاً هائلاً في معدلات التضخم، وانكماشاً اقتصادياً محلياً وعالمياً، وقفزات واسعة في معدلات البطالة. لكن مع اقتراب نهاية العام، لم يتحقق إلا القليل من تلك التوقعات. ما يثير التساؤل حول أسباب ذلك وماذا يعني للعام المقبل.إن عام 2025 ينتهي بمؤشر إيجابي للاقتصاد، من حيث الأرقام مقارنة بتوقعات أبريل. وهذا أمر يستحق الاحتفاء، فعبارة «الأمور ليست بالسوء الذي كنّا نخشاه» لا تُعد دليلاً قاطعاً على الثقة، لكنها تظل أفضل من البدائل. ورغم أن هذه المؤشرات المتفائلة قد تكون صحيحة، فإن شريحة ضئيلة فقط من الشعب الأميركي تشعر بذلك. وهو ما يمثل تحدياً سياسياً لـ«الجمهوريين»، كما كان الحال بالنسبة لـ«الديمقراطيين» في عام 2024.أما أسباب عدم تسبب الرسوم الجمركية في انهيار الاقتصاد فهي بسيطة نسبياً، إذ إن هناك فجوة واسعة بين الرسوم، التي أُعلن عنها في أبريل والأشهر اللاحقة، والرسوم التي فُرضت وجُمعت فعلياً. فالرسوم المعلنة كانت ستبلغ حوالي 25% على نطاق واسع، وهي أعلى نسبة منذ قرن تقريباً. أما النسبة الفعلية للرسوم، فبلغت حوالي 17% حتى نوفمبر، بحسب مختبر الميزانية بجامعة «يل»، بل يرجح أن يكون هذا التقدير أعلى من النسبة الفعلية. وبالنظر إلى حجم الإيرادات المحصلة، يُرجح أن تكون النسبة المحققة حوالي 9% إجمالاً. فعلى سبيل المثال، لا تزال أكثر من 85% من التجارة بين الولايات المتحدة وكندا معفاة من الرسوم الجمركية بموجب اتفاقيات سابقة، لذا فرغم إعلان الولايات المتحدة عن نسبة رسوم 35%، فإن النسبة الفعلية تبلغ حوالي 8%. وقد جمعت الحكومة الأميركية نحو 200 مليار دولار من إيرادات الرسوم الجمركية للسنة المالية المنتهية في سبتمبر، بينما حققت الرسوم الجمركية نحو 25 مليار دولار شهرياً منذ أبريل. ولكن عند وضع تلك الأرقام الهائلة في سياقها الصحيح، تبدو أرقام الرسوم الجمركية أقرب إلى فروق هامشية منها إلى تغييرات جذرية. وسيبلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في 2025 نحو 31 تريليون دولار. ومن المرجح أن يصل إجمالي الواردات الأميركية إلى ما يقارب 4 تريليونات دولار بنهاية العام. وأدت الرسوم الجمركية المعتدلة إلى ارتفاع أسعار بعض السلع الاستهلاكية، مما أدى إلى ارتفاع طفيف في معدل التضخم.وفي المقابل، استفاد الاقتصاد الأميركي عام 2025 من اتجاه كان من الصعب التنبؤ به قبل عام، وهو الإنفاق على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وتشير بعض التقديرات إلى أن عشرات المليارات من الدولارات، التي أُنفقت ومئات المليارات المخطط لها، تمثل ما يقارب نصف نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في عام 2025، مما يجعل الصورة الاقتصادية العامة إيجابية على نحو مفاجئ.وبالتالي، ففي معظم المؤشرات، مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي، والتضخم والتوظيف، حقق الاقتصاد الأميركي عاماً جيداً، بجانب مكاسب في سوق الأسهم تجاوزت 15%، والتي استفاد منها أكثر من نصف الأميركيين الذين يملكون أسهماً.غير أن المشكلة تكمُن في أن معظم المواطنين لا يشعرون بذلك. وألقى ترامب خطاباً استمر 18 دقيقة الأسبوع الماضي، مُشيداً بما وصفه بالاقتصاد الأميركي المزدهر لعام 2025، والذي يتميّز بوفرة الاستثمارات الأجنبية، وانخفاض التضخم، وإبرام الصفقات، وانخفاض أسعار الأدوية، وتحصيل إيرادات الرسوم الجمركية. وتباهى قائلاً: «بعد عام واحد فقط، حققنا أكثر مما كان يتخيله أحد». غير أن معظم الأميركيين لا يتفقون معه، حيث تكمُن المشكلة في أن الإحصاءات الاقتصادية غالباً ما تصف النظام ككل، لا تعكس واقع المعيشة لكثير من السكان البالغ عددهم 340 مليون نسمة.ويرى نحو 74% منهم أن الاقتصاد، في أفضل الأحوال «متوسط» وفي الغالب «ضعيف». لم تتغير هذه الآراء خلال السنوات الماضية. وكان التغيير الوحيد أن «الجمهوريين» أصبحوا اليوم أكثر ميلاً للاعتقاد بأن الأمور جيدة، بينما كانوا قبل عام، في عهد الرئيس جو بايدن، يعتقدون أنها سيئة. أما «الديمقراطيون»، فينظرون اليوم إلى الاقتصاد بنظرة سلبية للغاية، بينما كانوا قبل عام أكثر تفاؤلاً. ويواجه ترامب و«الجمهوريون» التحدي ذاته الذي واجهه بايدن، وهو كيفية التعامل عندما تكون الأرقام إيجابية، لكن المزاج العام سلبي. فمن الواضح أن البيانات الصحية لا قيمة لها، ما لم تنعكس على النفقات اليومية لمعظم المواطنين.فالإنفاق على مراكز البيانات قد يعزّز الناتج المحلي الإجمالي، لكنك لن تشعر به إلا إذا كنت تعمل في هذا المجال، أو تمتلك نسبة مرتفعة بشكل خطير من أسهم مراكز البيانات في محفظتك الاستثمارية. ما يشعر به المواطنون الأميركيون بالفعل هو ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتكاليف السكن والرعاية الصحية، وكلها ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من معدلات التضخم العامة.ومع نهاية عام 2025، ينبغي أن ندرك حقيقة تلك الإحصاءات، فهي حقائق وليست مجرد مشاعر. ويمكننا أن نشيد بثبات الاقتصاد الأميركي وصموده، لكن علينا أيضاً أن نعترف بأن تلك الأرقام المجردة لا تعكس واقع الحياة اليومية بالنسبة للكثيرين.

amaعربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment