أزمة أم صحوة؟ كيف يغيّر منتصف العمر نظرتنا للحياة

القاهرة – شيري عبدالحميد:

تُعدّ أزمة منتصف العمر إحدى المراحل المفصلية التي يمر بها عدد كبير من الأفراد، وغالبًا ما تظهر ملامحها في الفترة ما بين الأربعينيات والخمسينيات من العمر.

وهي مرحلة تتقاطع فيها الأسئلة الكبرى حول المعنى، والإنجاز، والاختيارات السابقة، لتفرض على الفرد مراجعة شاملة لمساره الشخصي والمهني والعاطفي.ولا تقتصر هذه الأزمة على الرجال دون النساء، إذ تطال الجنسين مع اختلاف في طبيعة التحديات وطريقة التعبير عنها.

فهي نتاج تداخل معقّد بين عوامل نفسية واجتماعية؛ نفسيًا، قد يشعر الفرد بتراجع الشغف أو الإحساس بعدم الرضا وضبابية الهدف، بينما اجتماعيًا ترتبط بتغيّر الأدوار والمسؤوليات، وضغوط الواقع، وتحولات العلاقات الأسرية والمهنية.

من الناحية النفسية، تنبع أزمة منتصف العمر من الداخل، حيث يبدأ الإنسان في التشكيك في قراراته السابقة، ومساءلة ما أنجزه مقارنة بما كان يطمح إليه. إلا أن هذه الحالة، رغم ما تحمله من قلق، تتزامن غالبًا مع نضوج فكري ووجداني أعمق، يجعل الفرد أكثر وعيًا بذاته وقيمه الحقيقية، وأكثر قدرة على إعادة ترتيب أولوياته واتخاذ قرارات قد تختلف جذريًا عما مضى.أما على الصعيد الاجتماعي والعاطفي، فتتجلّى الأزمة في إعادة تقييم العلاقات القائمة.

منتصف العمر… حين تتحول الأسئلة الصعبة إلى فرصة لإعادة اكتشاف الذات

قد يواجه البعض شعورًا بالوحدة، أو حنينًا إلى مراحل سابقة من العمر، أو رغبة في تجديد الروابط الإنسانية. كما تتزامن هذه المرحلة مع تحولات أسرية مهمة، مثل استقلال الأبناء أو التقدّم في عمر الوالدين، وهو ما يتطلب مرونة نفسية وقدرة على التكيّف مع واقع جديد.

وعلى الرغم من التسمية الشائعة، لا ينبغي النظر إلى منتصف العمر بوصفه أزمة سلبية خالصة، بل يمكن اعتباره محطة لإعادة البناء والتجديد.

فالكثيرون ينجحون في تحويل هذه المرحلة إلى فرصة حقيقية للنمو، من خلال وضع أهداف جديدة، وخوض تجارب مختلفة، ومراجعة الإنجازات السابقة بعين أكثر إنصافًا ووعيًا.

عاطفيًا، تحمل هذه المرحلة مشاعر متناقضة، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام تجارب أكثر نضجًا وعمقًا. فبعد سنوات من الخبرة، يصبح الفرد أكثر قدرة على فهم احتياجاته الحقيقية، وأكثر وضوحًا فيما يبحث عنه في شريك الحياة.

منتصف العمر…بين هاجس الأزمة وفرصة التحول

وهنا، يتخذ الحب في منتصف العمر طابعًا مختلفًا، قائمًا على التفاهم والاحترام المتبادل والقبول، بعيدًا عن الاندفاعات غير المحسوبة.وتشير العديد من التجارب إلى أن العلاقات العاطفية الثانية في هذه المرحلة قد تكون أكثر نجاحًا واستقرارًا، بفضل النضج العاطفي، والقدرة الأفضل على التواصل، والتعامل الواعي مع الخلافات.

فالتجارب السابقة، بما حملته من نجاحات أو إخفاقات، تسهم في بلورة رؤية أوضح لعلاقة أكثر توازنًا وإشباعًا.في المحصلة، تمثل أزمة منتصف العمر مرحلة تحوّل لا مفر منها لدى كثيرين، لكنها ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية أكثر صدقًا وعمقًا مع الذات، وفرصة لإعادة صياغة الحياة على أسس أوعى وأكثر انسجامًا مع النضج الإنساني.

amaالصحة العقليةالصحة النفسيةالقاهرة - شيري عبدالحميد:عربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment