وراء كل إنجاز حارس استثنائي… هل ياسين بونو بطل التأهل المغربي؟

القاهرة _ أميرة المحمدي:

لم يكن تأهل المنتخب المغربي إلى نهائي البطولة القارية مجرد نتيجة عابرة أو ثمرة مجهود جماعي تقليدي فحسب، بل جاء محمولًا على أكتاف حارس مرمى عرف كيف يتحول في اللحظات الفاصلة إلى بطل المشهد، ويمنح جماهيره شعور الأمان والثقة في أصعب الأوقات. ياسين بونو، الاسم الذي بات مرادفًا للهدوء تحت الضغط، والقدرة على حسم المباريات حين تتساوى الكفة ويغيب الحل الهجومي.منذ انطلاق البطولة، ظهر بونو كأحد أهم أعمدة المنتخب المغربي، ليس فقط بتصدياته الحاسمة، بل بحضوره الذهني العالي وقدرته على قيادة الخط الخلفي بثبات وخبرة. ففي مباريات الإقصاء، حيث لا مجال للأخطاء، كان حارس “أسود الأطلس” هو صمام الأمان الحقيقي، يقف سداً منيعًا أمام المحاولات المتكررة، ويُبقي المنتخب داخل أجواء اللقاء حتى اللحظة الأخيرة.وفي المواجهات الحاسمة، حين تزداد الضغوط وتتقلص المساحات، برزت قيمة بونو الحقيقية.

تصديات في توقيت قاتل، قراءة ذكية لتحركات المهاجمين، ورد فعل سريع في الانفرادات والكرات الثابتة، جعلت المنافسين يصطدمون بحائط مغربي صلب، لا يتزعزع بسهولة. ومع كل دقيقة تمر، كانت ثقة زملائه تزداد، في مشهد يعكس الدور النفسي الكبير لحارس المرمى داخل أي فريق ينافس على الألقاب.ولم يكن بونو مجرد منفذ لتعليمات فنية، بل قائدًا حقيقيًا داخل الملعب، يوجّه الدفاع، ينظم التمركز، ويمنح زملاءه هدوءًا نادرًا في مباريات لا تحتمل التوتر. هذا الدور القيادي انعكس بشكل واضح على أداء المنتخب المغربي ككل، حيث لعب الفريق بثقة أكبر، مدركًا أن خلفه حارسًا قادرًا على إنقاذ المواقف المستحيلة.كما أن خبرات بونو الاحترافية في الملاعب الأوروبية، ومشاركاته في أكبر البطولات، منحته نضجًا استثنائيًا في التعامل مع اللحظات المصيرية، سواء خلال التسعين دقيقة أو في ركلات الترجيح، التي تحوّل فيها إلى كابوس حقيقي للمنافسين.

تلك اللحظات، التي تختبر أعصاب اللاعبين والجماهير، كان بونو فيها حاضر الذهن، ثابت النظرات، واثق القرار.ورغم كل هذا التألق الفردي، لم يتعامل بونو مع نفسه كبطل أوحد، بل ظل يؤكد داخل الملعب وخارجه أن الإنجاز جماعي، وأن الدفاع يبدأ من المهاجم وينتهي عند الحارس. غير أن الواقع الكروي لا ينكر أن بعض اللاعبين يظهرون في الأوقات التي تصنع الفارق، وياسين بونو كان واحدًا من هؤلاء، حين احتاجه المنتخب المغربي أكثر من أي وقت مضى.وهكذا، لم يكن وصول المغرب إلى النهائي مجرد محطة جديدة في تاريخه القاري، بل شهادة إضافية على قيمة حارس أصبح رمزًا للثقة والاتزان، واسمًا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن هذا الإنجاز.

ياسين بونو لم يسجل أهداف الفوز، لكنه منع الهزيمة، وصنع المساحة التي انتصر فيها المنتخب… وفي كرة القدم، أحيانًا يكون من يمنع الهدف أهم ممن يسجله.ويستند التألق اللافت لياسين بونو مع المنتخب المغربي إلى مسيرة احترافية ثرية، صنعت منه واحدًا من أكثر حراس المرمى خبرة وتأثيرًا في الكرة الإفريقية والعربية. وُلد بونو في كندا عام 1991، قبل أن يختار تمثيل المغرب دوليًا، ويبدأ رحلته الكروية من بوابة الاحتراف الأوروبي، حيث تدرج في صفوف الوداد المغربي ثم انتقل إلى الملاعب الإسبانية، التي شكّلت نقطة التحول الأهم في مسيرته.

في إسبانيا، لمع اسم بونو بقوة مع نادي إشبيلية، حيث أصبح الحارس الأول للفريق، وساهم بشكل مباشر في التتويج بلقب الدوري الأوروبي أكثر من مرة، مقدّمًا مستويات استثنائية في المباريات النهائية والأدوار الإقصائية، ليُصنّف آنذاك كأحد أفضل حراس الليغا. وتميّز بونو خلال تلك الفترة بردة فعل سريعة، وتمركز مثالي، وقدرة نادرة على التصدي لركلات الجزاء، ما جعله عنصرًا حاسمًا في بطولات الكؤوس.

ومع انتقاله إلى نادي الهلال السعودي، دخل بونو مرحلة جديدة في مسيرته، لم يكتفِ فيها بالنجومية، بل تحوّل إلى أحد أعمدة المشروع الرياضي للنادي. منذ ظهوره الأول بقميص الهلال، فرض نفسه كحارس أساسي، وأسهم في تعزيز الصلابة الدفاعية للفريق، وكان له دور بارز في تحقيق الانتصارات المحلية والقارية، مستفيدًا من خبرته الكبيرة في إدارة المباريات الكبرى والتعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية.وعلى المستوى العام، يُنظر إلى بونو باعتباره نموذجًا للحارس الحديث، الذي لا يقتصر دوره على منع الأهداف، بل يمتد إلى بدء الهجمة، وتنظيم الدفاع، وقيادة الفريق من الخلف.

كما أن حضوره الهادئ وثباته الانفعالي جعلاه عنصر اطمئنان دائم لمدافعيه، سواء مع الهلال أو المنتخب المغربي، وهو ما يفسر استمرارية مستواه العالي رغم اختلاف البطولات والمدارس الكروية.وتُوّج هذا المسار الاحترافي بسجل دولي لافت، حيث كان بونو حاضرًا في أبرز المحطات التاريخية للمنتخب المغربي، وشارك في تحقيق إنجازات غير مسبوقة، جعلته رمزًا لجيل ذهبي من اللاعبين. ومع كل بطولة جديدة، يواصل الحارس المغربي تأكيد مكانته كأحد أفضل حراس إفريقيا، ليس بالأرقام فقط، بل بالتأثير الحقيقي في نتائج فريقه، خاصة حين تكون اللحظات حاسمة والهوامش ضيقة.

في النهاية، يظل ياسين بونو أكثر من مجرد حارس مرمى؛ فهو صانع الأمن والثقة في اللحظات الحاسمة، وركيزة أساسية جعلت المنتخب المغربي قادرًا على مواجهة أصعب المواقف دون تراجع. إنجاز التأهل إلى النهائي لم يكن صدفة، بل نتيجة تضافرت فيها خبرة الحارس وهدوءه تحت الضغط مع العمل الجماعي للفريق، ليصبح بونو رمزًا للثبات والصمود والإصرار. وفي عالم كرة القدم، حيث تُصنع البطولات في اللحظات الحرجة، يظهر بوضوح أن حارسًا مثل بونو قادر على قلب موازين اللقاءات، وتحويل كل تصدٍ إلى فرصة جديدة للأمل، وهو ما يجعل اسمه محفورًا في ذاكرة كل مشجع للأسود الأطلس، ويؤكد أن الحارس أحيانًا يكون البطل الخفي وراء الانتصارات الكبيرة.

amaالقاهرة - أميرة المحمدي:عربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment