القاهرة – مي عبده:
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه الحياة اليومية مع الضغوط المهنية والاجتماعية، يصبح الوصول إلى التوازن الداخلي والسلوك الراقي مع الآخرين تحديًا كبيرًا، خاصة في مجتمع يتغير بسرعة وتزداد فيه التحديات على الصعيد الشخصي والعائلي والاجتماعي.
في هذا المشهد المعقد، يبرز دور المرأة المثقفة والخبيرة في العلوم السلوكية لتكون منارة للوعي والسلوك الراقي، وتقدم للأجيال الجديدة أدوات عملية لفهم أنفسهم، واحترام الآخرين، وإدارة حياتهم بأسلوب راقٍ وفعّال.ومن بين هؤلاء النماذج الرائدة التي تستحق كل تقدير وإعجاب، تقف الدكتورة شريهان الدسوقي، استشارية العلوم السلوكية ومؤلفة كتابي “الإتيكيت المعاصر: شياكة وأخلاق” و“إتيكيت الأنوثة من الطفولة للشيخوخة”.
د. شريهان ليست مجرد كاتبة أو خبيرة في الإتيكيت، بل هي صوت الحكمة والوعي العصري، وفنانيّة الحياة الراقيّة، التي استطاعت أن تترجم معرفتها العلمية وخبرتها العملية إلى نصائح وأدوات يومية يستطيع أي فرد، صغيرًا كان أو كبيرًا، أن يطبقها ليصبح أكثر ثقة، وأكثر تقديرًا لذاته وللآخرين.
لقد كرّست د. شريهان سنوات من البحث والدراسة والتجربة العملية لتغيير المفهوم المغلوط عن الإتيكيت، الذي يراه البعض مجرد مظاهر خارجية مثل “الشوكة والسكينة”، بينما الإتيكيت الحقيقي، كما تؤكد، هو فن السلوك الراقي، واحترام الذات، والقدرة على التعامل مع الآخرين بذكاء وحساسية، مع الحفاظ على القيم والمبادئ الأخلاقية. ومن خلال كتابيها، لم تكتفِ بتعليم الناس الأسلوب الراقي في التعامل، بل أرادت أن تمنح كل فتاة وامرأة دليلاً عمليًا لبناء شخصيتها واكتشاف أنوثتها، بدءًا من الطفولة وحتى الشيخوخة، مع مراعاة كل مراحل الحياة ومتطلباتها المختلفة.
الكتاب “إتيكيت الأنوثة من الطفولة للشيخوخة”، على وجه الخصوص، ليس مجرد كتاب، بل رحلة فريدة يرافق فيها القارئ كل محطة عمرية، من الطفولة التي يتعلم فيها الفرق بين التعامل مع النفس والآخرين، مرورًا بالمراهقة، والعشرينيات، والثلاثينيات، والأربعينيات، وصولًا إلى مرحلة النضج والخمسين والستين، حيث تصبح المرأة متكاملة، وواعِية، ومتألقة بأنوثتها وقيمتها الحقيقية.
د. شريهان، بخبرتها العميقة ومهارتها الفريدة، استطاعت أن تدمج بين الذكاء الاجتماعي وفنون السلوك الراقي، وبين الوعي النفسي وفن التعامل مع الذات والآخرين، لتقدّم نصائح عملية في كل جانب من جوانب الحياة، سواء في الأسرة، أو في العمل، أو في العلاقات الاجتماعية، أو حتى في التعامل مع عالم التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
وعلاوة على ذلك، فإن فلسفة د. شريهان تتجاوز الجانب النظري لتصل إلى الأخلاقي والإنساني، فهي تربي على قيم الاحترام، والحدود الذكية، والتقدير للآخرين، وتوضح كيف يمكن لأي شخص أن يصبح محبوبًا، وناجحًا، وواثقًا من نفسه، دون أن يتنازل عن حقوقه أو ضعفه أمام الآخرين.
وهي بذلك تُعد نموذجًا حقيقيًا للمرأة المعاصرة التي توازن بين الرقي الاجتماعي، والوعي الذاتي، والقدرة على التأثير الإيجابي في محيطها.في هذا الحوار، نغوص مع د. شريهان الدسوقي في عالم الإتيكيت المعاصر، ونكشف أسرارًا عملية لكيفية إدارة الحياة اليومية بذكاء ولباقة، تعزيز الثقة بالنفس، بناء العلاقات الإنسانية السليمة، والحفاظ على كرامتنا وكرامة الآخرين في كل موقف.
من الطفولة وحتى الشيخوخة، ومن الحياة الزوجية وحتى التعامل مع المجتمع الرقمي، نقدم لكم خلاصة خبرة د. شريهان وفلسفتها العميقة في فن الإتيكيت.إنه حوار مع واحدة من ألمع النماذج النسائية المعاصرة، التي استطاعت أن تحوّل فن الإتيكيت من مجرد قاعدة اجتماعية إلى أسلوب حياة، ومعيار للنجاح والوعي والتميز في كل لحظة من حياتنا.
في هذا الحوار، نتعرف على رحلة د. شريهان مع الإتيكيت، وكيف يمكن للإنسان أن يوازن بين الذكاء الاجتماعي والصدق، ويحول قواعد الاتيكيت إلى أدوات يومية عملية للحياة، سواء في التعامل مع الأبناء، أو في الحياة الزوجية، أو على وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
—سؤال 1: دكتورة شريهان، كاستشارية للعلوم السلوكية ومؤلفة كتاب فن الإتيكيت من الطفولة للشيخوخة، ما الدافع الأساسي وراء كتابتك لهذا العمل، وما الرسالة الأهم التي أردتِ إيصالها للقراء؟
بدأت رحلتي في مجال الإتيكيت بهدف تغيير مفهوم وثقافة الاتيكيت التي يظن الكثيرون أنها مجرد مظاهر خارجية، مثل الشوكة والسكينة، بينما هي في الحقيقة سلوكيات راقية متحضرة تنعكس أولًا على الفرد ذاته، ثم على محيطه.
كتابي “إتيكيت الأنوثة من الطفولة للشيخوخة” هو دليل للذكاء الأنثوي، جزء من سلسلة الإتيكيت المعاصر، يهدف لمساعدة كل فتاة وامرأة فقدت إحساسها بأنوثتها بسبب ضغوط الحياة، لتفهم نفسها، تتقبل ذاتها، تبني شخصيتها، وتبرز سلوكها الراقي في خدمة أسرتها ومجتمعها.الرسالة الأساسية هي: ابدئي من نفسك، واحترمي ذاتك، حتى تحترمك مجتمعاتك وعلاقاتك.
—سؤال 2: كيف ترين تطور مفهوم الإتيكيت في زمن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل ما زال الإتيكيت التقليدي له مكان في حياتنا المعاصرة؟ الإتيكيت لم يختفِ، لكنه تطور ليصبح إتيكيت المواطن الرقمية. منذ ظهور الإنترنت في التسعينيات، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح لكل منا هوية رقمية يجب أن نحافظ على قيمتها مثل هويتنا الحقيقية.
بعض التوصيات تشمل:استخدام الاسم الحقيقي والصورة الواقعية.عدم التعليق السلبي على أفكار أو معتقدات الآخرين.التعامل بحذر عند البيع والشراء عبر الإنترنت، وحماية الحسابات من الاحتيال والهكر.التبليغ عن التنمر الإلكتروني لحماية النفس والسمعة.
الإتيكيت التقليدي لا يزال له مكان، لأنه أساس كل سلوك حضاري، بينما الإتيكيت الرقمي هو امتداد له، يعكس ثقافة الفرد واحترامه للآخرين في العالم الرقمي.
-سؤال 3: كتبتِ عن “الذوق الكداب”… ما أبرز العلامات التي تكشف هذا السلوك، وكيف يمكن للناس التعامل مع من يظهر هذا النوع من الذوق؟
الذوق الكداب هو عندما يظهر الشخص مظاهر راقية وتصنع الاتيكيت، لكنه في الحقيقة يسعى لمصلحته الشخصية فقط. يظهر عادة في المواقف الصعبة أو عند الضغط.
أهم طرق التعامل:تعلّم فن الرفض بأدب، وكيف تقول “لا” بدون إحراج.تجنب الشعور بالذنب عند رفض طلب غير مناسب.استخدام أساليب لينة مثل: “شكراً، لكن ظروفي لا تسمح” أو “لا أعتقد أنني الشخص المناسب لهذا”.مراعاة المجاملة البسيطة عند الرفض للحفاظ على العلاقات دون المساومة على الذات.
—سؤال 4: ما الأخطاء السلوكية الأكثر شيوعًا التي يرتكبها الناس دون وعي، والتي تؤثر على علاقاتهم الاجتماعية والمهنية؟
من أبرزها:التدخل في خصوصيات الآخرين، وهو مستفز ويؤثر نفسيًا على الشخص.
رفع الصوت أو استخدام لغة غير مناسبة.التكبر أو التقليل من الآخرين بسبب الفوارق الاجتماعية أو التعليمية.الإفراط في الدلال للأطفال مما يخلق جيلًا غير مسؤول.
الحل هو تعلم فن الرد الراقي، تغيير الموضوع عند الحاجة، واستخدام الأسلوب اللطيف في مواجهة التدخلات.
—سؤال 5: كيف يمكن للآباء والأمهات استخدام الإتيكيت لتعليم أبنائهم قيم الاحترام والحدود الذكية منذ الطفولة؟
التربية في البيت أساس. إذا رأى الطفل التنمر أو السخرية في المنزل، سيقلدها خارجه.
تعليم التواضع واحترام الكبير، كما جاء في الحديث الشريف: “ليس منا من لا يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”.إشراك الأطفال في المناسبات العائلية لتعلم العادات والتقاليد عمليًا.وضع حدود واضحة للطفل، وتجنب الدلال المفرط، وغرس قيم مثل التقدير واللطف والمساعدة.
—سؤال 6: هل يمكن للإتيكيت أن يكون أداة للحفاظ على العلاقات الزوجية أو الأسرية، خصوصًا في حالات الخلاف؟ وكيف يُترجم ذلك على أرض الواقع؟
بالطبع، الإتيكيت هو أسرع طريق لقلب وعقل الزوج.
قواعد أساسية:تجنب التوقعات المبالغ فيها لتفادي الإحباط.اختيار الوقت المناسب للحوار.استخدام أسلوب الخيارات عند الطلب (“هل نخرج الجمعة أم السبت؟”).
مراعاة نبرة الصوت، التقدير، التغافل عن الأخطاء الصغيرة، والابتعاد عن الغيرة المفرطة.النقد المغلف بالمجاملة (نظرية الساندويتش) للحفاظ على العلاقة دون إيذاء الشريك.
–سؤال 7: كيف يمكن للفرد أن يوازن بين اللياقة والصدق، بحيث يكون محبوبًا دون أن يكون ضعيف الشخصية أو متساهلًا؟
الصدق لا يعني الجرح أو التجريح، واللياقة لا تعني التنازل عن الحقوق.فن النقد: انتقد الفعل وليس الشخص.
تعلم فن الرفض، قول “لا” بأسلوب لبق، وترك مجال للمجاملة عند الضرورة.الاعتراف بالخطأ والاعتذار بذكاء، مع اختيار الوقت المناسب وحجم الخطأ.
–سؤال 8: ما دور الإتيكيت في تعزيز الثقة بالنفس لدى المرأة؟ وهل تختلف طرق تطبيقه بين المرأة والرجل؟
الإتيكيت يعطي المرأة إحساسًا بالسيطرة على نفسها وعلاقاتها، ويعزز استقلالها العاطفي والاجتماعي.يختلف التطبيق بين المرأة والرجل في أسلوب اللبس، الكلام، ونبرة الصوت، لكنه متشابه في المبادئ: الاحترام، التقدير، وضبط النفس.لكل منهما أدواته الخاصة للتأثير الإيجابي على محيطه.
–سؤال 9: هل هناك “قواعد ذهبية” في الإتيكيت يجب أن يعرفها كل شخص مهما كانت خلفيته الثقافية أو الاجتماعية؟ وما أهمها؟
نعم، أهمها:فن الاعتذار.فن النقد البنّاء.فن المجاملة.ضبط نبرة الصوت.احترام الوقت والمواعيد.مراعاة مشاعر الآخرين، وعدم التدخل في خصوصياتهم.
—سؤال 10: ما النصيحة العملية التي تعطيها لمن يريد أن يبدأ رحلته نحو إتقان فن الإتيكيت وتحقيق علاقات إنسانية أكثر احترامًا ووعيًا؟
اعتنِ بالروح والذات والأخلاق أكثر من المظاهر.ابدأ تدريجيًا من حياتك اليومية.مارس الثقة بالنفس، تخطى الخجل، وواجه المواقف الاجتماعية.كن متعلمًا ومطلعًا، ووسع دائرة علاقاتك ومعارفك.
اتبع قواعد الإتيكيت في كل جوانب حياتك: العمل، الأسرة، الأصدقاء، وسائل التواصل.الإتيكيت، كما توضح د. شريهان، ليس مجرد مظاهر، بل فن حياة كامل.
هو احترام الذات قبل الآخرين، هو الذكاء الاجتماعي الذي يحفظ العلاقات، ويعزز الثقة، ويجعل الفرد قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بمزيج من الرقي، الحكمة، واللياقة.من طفولة الفتاة إلى نضج المرأة وخمسينياتها وستينياتها، يمكن للإتيكيت أن يكون خارطة طريق للنجاح الشخصي والاجتماعي، وسلاحًا لحياة متوازنة ومليئة بالاحترام المتبادل.