القاهرة – مي عبده:
في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتبهت فيه القيم الجمالية أحيانًا أمام صخب الواقع، تظل جماعة «بصمة فن» واحدة من التجارب الثقافية والفنية النادرة التي أعادت للفن دوره الحقيقي كقوة ناعمة، وكجسر إنساني يعبر بالروح من ضيق اللحظة إلى رحابة المعنى.جماعة لم تُبنَ على فكرة المعارض فقط، بل على فلسفة عميقة ترى في الفن رسالة، وفي الفنان شريكًا في بناء الوعي، وفي الجمال حقًا أصيلًا لكل إنسان.
«بصمة فن»… مشروع ثقافي يكتب تاريخه بالجمال والإنسان.
تقف خلف هذه التجربة بكل ما تحمله من صدق وإنسانية ورؤية واعية، الفنانة والدكتورة أماني زهران، مؤسسة جماعة «بصمة فن» وقومسيير معارضها، والتي استطاعت بعاطفة الأم، ودقة الباحثة، وحس الفنانة، أن تصنع كيانًا فنيًا له حضوره واحترامه محليًا وعربيًا، وأن تجمع حوله طيفًا واسعًا من المبدعين، من المحترفين والهواة، من الكبار والصغار، ومن مختلف الجنسيات والخلفيات، تحت مظلة واحدة عنوانها: الفن من أجل الإنسان.
أولًا: معرض «نوستالجيا – حنين»…حين استعاد الفن ذاكرته… وعاد بالجمهور إلى دفء الماضي
لم يكن معرض «نوستالجيا» مجرد عنوان عابر أو حالة فنية تقليدية، بل جاء كفعل مقاومة ناعم ضد النسيان، ومحاولة واعية لاستعادة الإنسان لعلاقته الأولى بالجمال، ولحظات الصفاء التي شكّلت وجدانه.قدّمت جماعة «بصمة فن» من خلال هذا المعرض تجربة بصرية وإنسانية عميقة، جعلت من الحنين قيمة فنية، ومن الذاكرة موضوعًا تشكيليًا حيًا نابضًا بالمشاعر.
تنوعت الأعمال المعروضة بين مدارس وأساليب مختلفة، لكنها التقت جميعًا عند نقطة واحدة: الصدق. صدق الإحساس، وصدق التعبير، وصدق العودة إلى البساطة التي نفتقدها. لوحات تحكي عن البيوت القديمة، والطفولة، والشوارع، والألوان الدافئة، وكأن كل عمل هو رسالة شخصية من الفنان إلى المتلقي.
جاء افتتاح المعرض في قاعة العرض الكبرى بكلية الفنون الجميلة بالزمالك ليؤكد المكانة الرفيعة للتجربة، بحضور نخبة من القيادات الأكاديمية والدبلوماسية والثقافية، ومشاركة قرابة 50 فنانًا وفنانة من مصر وعدة دول عربية، إلى جانب مشاركة مؤثرة لشباب من ذوي الهمم، في مشهد إنساني بالغ التأثير.
وقفت الفنانة أماني زهران في هذا المعرض كقائدة أوركسترا تعرف جيدًا متى يعلو الإيقاع، ومتى يهمس، فخرج «نوستالجيا» كمعرض يحمل الروح قبل الشكل، ويخاطب القلب قبل العين.
ثانيًا: معرض «المبدع الصغير»..حين يصبح الاكتشاف مسؤولية… والطفل فنانًا كامل الأهلية
جاء معرض «المبدع الصغير» ليؤكد أن جماعة «بصمة فن» لا تعمل وفق منطق اللحظة، بل برؤية مستقبلية ترى في الطفل مشروع فنان، وفي الموهبة أمانة يجب رعايتها لا استهلاكها.
لم تُعرض أعمال الأطفال بوصفها محاولات بريئة فحسب، بل قُدّمت كأعمال فنية حقيقية تستحق العرض والتقدير، حيث عبّرت الرسوم والألوان عن خيال خصب، وجرأة لونية، وصدق فطري لا يعرف التكلّف.
ضم المعرض أعمال 28 طفلًا وطفلة من عمر عامين وحتى 14 عامًا، في تجربة إنسانية شديدة الرقي، أكدت أن الإبداع لا يُقاس بالعمر، بل بالقدرة على التعبير.
وبرعاية أكاديمية الفنون، وبإدارة واعية من الفنانة أماني زهران، تحوّل المعرض إلى مساحة آمنة للاحتفاء بالأحلام الصغيرة، ورسالة واضحة بأن الفن تربية، وأن بناء الإنسان يبدأ مبكرًا.
ثالثًا: معرض «يد ترسم ويد تبني الوطن»..الفن يحيّي العامل… ويحتفي بقيمة العطاء
في مناسبة وطنية تحمل رمزية خاصة، قدّمت جماعة «بصمة فن» معرض «يد ترسم ويد تبني الوطن» ليكون تحية صادقة لكل يد تعمل، ولكل إنسان يشارك في بناء هذا الوطن.
لم يكن المعرض احتفاليًا فقط، بل جاء محمّلًا برسائل اجتماعية ووطنية واضحة، حيث عبّرت الأعمال عن قيمة العمل، والكرامة الإنسانية، ودور الفن كمرآة للمجتمع.
تنوعت الخامات والتقنيات بين الرسم، والتصوير، والنحت، وإعادة التدوير، والتشكيل من الخردة، في تأكيد ذكي على أن الجمال يمكن أن يولد من أبسط الأشياء، وأن الفن لا ينفصل عن الواقع.
وبافتتاحه في مقر اتحاد نقابات عمال مصر، وبحضور قيادات عمالية وفنية، أثبت المعرض أن «بصمة فن» تعرف كيف تختار توقيت رسالتها ومكانها، وكيف تجعل من الفن شريكًا حقيقيًا في الوعي المجتمعي.
رابعًا: معرض «همس الصمت»الفن حين يتكلم بلا صوت
جاء معرض «همس الصمت» كتجربة وجدانية عميقة، اختارت فيها جماعة «بصمة فن» أن تصغي لما لا يُقال، وأن تمنح المساحة للتأمل، والبوح الصامت، والأسئلة الداخلية.
تميّزت الأعمال بحس فلسفي وإنساني عالٍ، حيث تنوّعت الرؤى الفنية، لكنّها التقت جميعًا عند التعبير عن المشاعر المكبوتة، والإنسان في لحظات ضعفه وقوته معًا.حضور رموز أكاديمية ووطنية، ومشاركة فنانين من مصر وعدة دول عربية، منح المعرض بعدًا ثقافيًا واسعًا، وأكّد أن «بصمة فن» أصبحت منصة حقيقية للحوار الفني العربي.
وقدّمت الفنانة أماني زهران هذا المعرض بروح الباحثة عن المعنى، لا عن الزحام، فجاء «همس الصمت» صادقًا، عميقًا، وبعيدًا عن الاستعراض.
خامسًا: معرض «أم الدنيا – مصر»الهوية المصرية في لوحة جامعة
في احتفاء فني راقٍ بالهوية المصرية، قدّمت جماعة «بصمة فن» معرض «أم الدنيا – مصر» كرحلة بصرية عبر التاريخ، والروح، والانتماء.
جاءت الأعمال متنوعة وغنية، لا تكتفي بتقديم مصر كموضوع، بل كحالة وجدانية وثقافية، تتقاطع فيها الحضارة مع المعاصرة، والذاكرة مع الحلم.
المعرض لم يكن مجرد فعالية جامعية، بل حدثًا ثقافيًا متكاملًا، جمع بين طاقات الشباب وخبرات الفنانين، وأكد الدور الحقيقي للفن في ترسيخ الهوية الوطنية.
سادسًا: «ملحمة نصر أكتوبر» و«هو وهي»من الذاكرة الوطنية… إلى الإنسان في ثنائيته
في أكتوبر، ربطت «بصمة فن» الفن بالتاريخ من خلال معرض «ملحمة نصر أكتوبر»، مؤكدة دور القوى الناعمة في توثيق البطولات
وفي ديسمبر اختتمت العام بمعرض «هو وهي»، الذي لامس العلاقات الإنسانية وقضايا المرأة والرجل برؤية فنية راقية، بقاعة آدم حنين بمركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور الدكتورة نيفين الكيلاني وزيرة الثقافة السابقة، ولفيف من الشخصيات العامة والفنية، ليؤكد المعرض قدرة «بصمة فن» على ملامسة القضايا الإنسانية والاجتماعية بعمق ورقي.
د. أماني زهران… القلب الذي يقود بصمتٍ جميل
ليست الدكتورة أماني زهران مجرد مؤسسة جماعة فنية، بل هي روح حاضرة في كل تفصيلة، تؤمن بالفن كطاقة شفاء، وبالإنسان كقيمة عليا. تحمل مشروعها بحب، وتدير معارضها بضمير، وتحتضن الفنانين بعين الأم، وتمنح الفرص بإيمان حقيقي بأن كل موهبة تستحق الضوء.
جماعة «بصمة فن» بقيادتها، لم تترك بصمتها على جدران القاعات فقط، بل في القلوب، وفي الوعي الجمعي، وفي صورة الفن المصري والعربي المعاصر، لتبقى تجربة تستحق التقدير، والاحتفاء، والتوثيق.