الإمام/ محمد التوحيدي يكتب: الصومال وقبضة حركة الشباب

لا يزال الصراع الممتد في الصومال مع حركة «الشباب» من أخطر التهديدات الأمنية المستمرة في منطقة القرن الأفريقي. وحتى عام 2026، تواصل الجماعة المسلحة السيطرة على مساحات واسعة من جنوب ووسط الصومال، وتشن هجمات متكررة ضد القوات الحكومية وقوات الاتحاد الأفريقي والمدنيين. وقد ظهرت حركة «الشباب» المعروفة رسمياً باسم «حركة الشباب المجاهدين»، في منتصف العقد الأول من الألفية كجناح متطرّف من «اتحاد المحاكم الإسلامية»، الذي تمكّن لفترة وجيزة من السيطرة على السلطة عام 2006 في خضم الحرب الأهلية الصومالية.وانطلاقاً من أيديولوجيا متطرفة، أعلنت الجماعة مبايعتها لتنظيم «القاعدة» عام 2012، ما رسَّخ موقعها كأحد أبرز أذرع الشبكة المتطرفة العالمية.وتشمل عملياتها حرب العصابات والتفجيرات الانتحارية وعمليات الابتزاز، الأمر الذي جعلها تُوصف من قبل القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا بأنها أكبر وأغنى وأكثر فروع «القاعدة» دموية على مستوى العالم. وتعود جذور الحركة إلى تيارات إسلامية سابقة في الصومال، أبرزها جماعة «الاتحاد الإسلامي»، التي بلغت ذروتها في تسعينيات القرن الماضي عقب سقوط نظام سياد بري عام 1991.وقد تلقت تلك الجماعة دعماً جزئياً من أسامة بن لادن، ثم انقسمت إلى فصائل، انضم المتشددون منها إلى اتحاد المحاكم الإسلامية، قبل أن يشكلوا النواة الصلبة لحركة الشباب لاحقاً. واليوم، تستغل حركة الشباب هشاشة مؤسسات الدولة الصومالية والانقسامات القبلية وانتشار الفقر لتجنيد المقاتلين، في كثير من الأحيان بالقوة، والحفاظ على نفوذها في مناطق استراتيجية. كما تموّل عملياتها من خلال فرض الضرائب على الأنشطة التجارية، وشبكات التهريب المرتبطة بتنظيم «القاعدة» في جزيرة العرب، والسيطرة على الموانئ ونقاط التفتيش.وتتطابق أيديولوجيا حركة «الشباب» بشكل وثيق مع تنظيم «القاعدة»، مع وجود تقاطعات مباشرة مع بعض تيارات الإسلام السياسي المتأثرة بأفكار جماعة «الإخوان» ضمن المشهد الإسلامي الأوسع في الصومال. وفي البيئات الحضرية، تجد بعض أفكار «الإخوان» المتعلقة بالحكم والتنظيم الاجتماعي صدى لدى فئات من الشباب الساخطين على الفساد وسوء الإدارة، ما يُسهم في تسهيل عمليات التجنيد التي تقوم بها حركة الشباب.وعلى نحو أكثر مباشرة، سيطرت فصائل سياسية مرتبطة بـ «الإخوان» على مفاصل الحكم في مقديشو منذ عام 2009. ومن بين هذه الفصائل مجموعتا «أهل الشيخ» و«دم الجديد»، وهما منبثقتان عن فكر «الإخوان»، وقد أثّرتا في تشكيل الحكومات المتعاقبة. وينتمي رؤساء مثل الشيخ شريف شيخ أحمد في الفترة من 2009 إلى 2012، وحسن شيخ محمود في الفترتين من 2012 إلى 2017 ثم بعد إعادة انتخابه عام 2022، إلى هذه الدوائر.ويرى منتقدون أن هذا الواقع سمح بترسخ شبكات إسلامية داخل مؤسسات الدولة، ما أضعف جهود مكافحة الإرهاب ضد حركة الشباب. وتنظر دولة الإمارات العربية المتحدة، التي صنّفت جماعة «الإخوان» بحق تنظيماً إرهابياً عام 2014، إلى هذه الجماعة باعتبارها تهديداً للأمن الوطني والإقليمي والدولي، وقد وقفت بحزم ضد التنظيمات المرتبطة بها في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك الصومال. ومن الزوايا الاقتصادية الحساسة في هذا الملف «شركة هرمود للاتصالات»، أكبر مزوّد لخدمات الاتصالات في الصومال، والتي تأسست عام 2002 وتسيطر على خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول مثل خدمة EVC Plus، التي تُشكِّل شريانا حيوياً في اقتصاد يعاني شُحّ السيولة.غير أن تقريراً صادراً عن مجلس الأمن الدولي عام 2012 اتهم الشركة بأنها من أكبر ممولي «حركة الشباب»، مشيراً إلى دفعات مالية كبيرة وتوفير شبكات اتصالات لقيادات بارزة مثل حسن التركي، إضافة إلى دعم لوجستي شمل أسلحة ومقاتلين. كما ربط التقرير مؤسس الشركة علي أحمد نور جيمعلي بمجلس المحاكم الإسلامية السابق، وادّعى أن الشركة سهلت عمليات الحركة. إن معالجة معضلة حركة «الشباب» في الصومال تتطلب تفكيك هذه التشابكات المعقدة.فعلى الرغم من أن العمليات العسكرية التي نفّذها الجيش الوطني الصومالي وقوات الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى الضربات الجوية الأميركية، أضعفت قدرات الحركة، فإنها لم تنجح في القضاء عليها نهائياً. وتبقى المصالحة السياسية ومعالجة الانقسامات القبلية، والإصلاحات الاقتصادية عناصر أساسية لتجفيف منابع التجنيد. وفي المحصلة، يكمن مستقبل الصومال في تعزيز مؤسسات الدولة لمواجهة الإرهاب دون تعميق الانقسامات الداخلية.وبينما يواجه البلد تحديات الجفاف والنزوح وضعف الحوكمة، فإن اتّباع مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والدبلوماسية والتنمية يمثّل الخيار الأكثر واقعية لمواجهة التهديد المستمر الذي تُشكّله حركة الشباب. وفي هذا السياق، يحتاج الصومال إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بما تمتلكه من خبرة راسخة في الأمن الوطني وبناء الدول، كشريك استراتيجي حقيقي، بدلاً من إهدار فرص ثمينة بسبب حالة من عدم اليقين السياسي أو المناورات قصيرة الأمد التي قد تُكلّف البلاد استقرارها على المدى الطويل.

amaعربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment