حوار خاص|..”يوسف الجزار” حين يصبح القانون ضميرًا ناطقًا بالحقيقة

القاهرة – مي عبده:

في عالمٍ تتشابك فيه الخيوط بين الحق والادعاء، وتعلو فيه الأصوات حتى تكاد تُغطي على همس الحقيقة، تظل قاعات المحاكم هي المسرح الأكثر صدقًا لعرض مصائر البشر. هناك، حيث لا مكان للضعف، ولا قيمة إلا للحجة، تتجلى معركة من نوعٍ خاص؛ معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة، ولا تُحسم بالقوة، بل بالإقناع. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، يقف المحامي كحارسٍ للعدالة، وكصوتٍ لمن لا صوت لهم، يحمل على عاتقه مسؤولية ثقيلة لا يدرك عمقها إلا من عاش تفاصيلها.

وسط هذه المعادلة الدقيقة، يبرز اسم المحامي يوسف الجزار، ليس فقط كممارسٍ لمهنة القانون، بل كأحد أولئك الذين ارتقوا بها إلى مرتبة الرسالة.

فهو لا يرى في المحاماة مجرد وسيلة للدفاع أو أداة لتحقيق الانتصار في القضايا، بل يعتبرها التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا قبل أن تكون وظيفة أو لقبًا. ومن هنا، تنبع فرادته؛ إذ يتعامل مع كل قضية وكأنها حكاية إنسانية متكاملة، لها أبعادها النفسية والاجتماعية، وليس مجرد ملفٍ تُسرد فيه الوقائع وتُطبق عليه النصوص.

يوسف الجزار هو نموذج للمحامي الذي أدرك مبكرًا أن القانون، رغم صرامة نصوصه، لا يمكن أن يكون عادلًا بمعزل عن روحه. فالنصوص، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة عن استيعاب كل تفاصيل الحياة، وهنا يأتي دور العقل الواعي والقلب الحاضر، ليمنحا هذه النصوص معناها الحقيقي.

لذلك، لم يكن غريبًا أن يُعرف بأسلوبه الذي يمزج بين المنطق الصارم والطرح الإنساني العميق، فيقدّم دفوعه كمن ينسج خيطًا دقيقًا بين الحقيقة والرحمة، بين العدالة والإنصاف.لا يقف الجزار عند حدود الأداء التقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى مساحة أرحب، حيث تتحول المرافعة إلى خطاب يحمل أبعادًا فكرية، وتصبح القضية فرصة لطرح تساؤلات أعمق حول العدالة ذاتها.

هو من أولئك الذين لا يكتفون بالبحث عن ثغرة قانونية، بل يسعون إلى بناء رؤية متكاملة تُقنع العقل وتلامس الوجدان في آنٍ واحد. لذلك، كثيرًا ما يُنظر إليه باعتباره “محامي الفكرة” بقدر ما هو “محامي القضية”.

وعلى الصعيد الإنساني، يحتفظ الجزار بقدرٍ لافت من الاتزان؛ فهو يدرك أن المهنة تضعه أحيانًا في مواجهة قناعاته الشخصية، لكنه يملك من النضج ما يمكنه من الفصل بين ما يؤمن به وما يفرضه عليه واجبه المهني.

تلك القدرة على الموازنة ليست بالأمر السهل، بل هي نتاج تجربة طويلة وصراع داخلي مستمر، يجعل من كل قرارٍ يتخذه خطوة محسوبة بين ضميرٍ حي ومسؤولية لا تحتمل التهاون.

وفي زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا لاعبًا أساسيًا في مختلف المجالات، لم يقف عند حدود الرفض أو التخوف، بل اختار أن يكون جزءًا من هذا التطور، مؤمنًا بأن أدوات العصر يمكن أن تكون عونًا للعدالة إذا أُحسن استخدامها.

ومع ذلك، يظل متمسكًا بحقيقة جوهرية مفادها أن الإنسان، بكل ما يحمله من إحساس وحدس، سيبقى العنصر الأهم في معادلة العدالة، مهما بلغت الآلة من تطور.ولعل ما يميز تجربة يوسف الجزار هو قدرته على الصمود في وجه الضغوط، خاصة في القضايا التي تسبقها أحكام المجتمع قبل أن تقول العدالة كلمتها.

هناك، حيث تتداخل الحقيقة مع الانطباعات، ويصبح الرأي العام قوة لا يُستهان بها، يختار أن يقف بثبات، مسلحًا بإيمانه بأن العدالة لا تُقاس بحجم التأييد، بل بمدى قربها من الحقيقة.في هذا الحوار، لا نقترب فقط من محامٍ ناجح، بل من عقلٍ يفكر، وقلبٍ يشعر، وتجربةٍ تستحق التأمل.

نغوص في تفاصيل رحلته، لنفهم كيف يرى القانون، وكيف يواجه التحديات، وكيف يصوغ لنفسه دورًا يتجاوز حدود المهنة إلى أفق الرسالة. هنا، لا نتحدث عن محامٍ عابر، بل عن حالة خاصة، تؤمن بأن العدالة ليست مجرد حكم يُصدر، بل قيمة تُصان، ورسالة تُعاش.

الجانب المهني والشخصي: ميزان الضمير

س: يقع المحامي دائماً في حيرة بين الواجب المهني والمبدأ الشخصي. أين تضع الخط الفاصل بين حق المتهم في الدفاع وبين قناعاتك الخاصة؟

“بصراحة، الخط الفاصل ده دايماً بيكون واضح جداً بالنسبة لي.

أنا كمحامي، مهمتي الأساسية هي حماية حق كل شخص في الدفاع عن نفسه، بغض النظر عن طبيعة القضية أو حتى عن شعوري الشخصي تجاهها. ده مش معناه إني بتجاهل المبادئ، بالعكس! لكن دوري هو إني أتأكد إن العدالة بتاخد مجراها بشكل سليم، وإن كل الأطراف بتاخد فرصتها.”

س: في ظل تعقد القوانين، كيف توازن بين “روح القانون” و”نص القانون” عند الترافع في قضية إنسانية شائكة؟

“دي بقى المعادلة الصعبة اللي بتخلي المحاماة فن مش مجرد علم! أنا دايماً بحاول أركز على ‘روح القانون’ اللي بتدور حواليها العدالة والإنصاف، مش بس النص الحرفي اللي ممكن يكون جامد أحياناً. بتخيل القانون كأنه قصة، والنص هو الكلمات، لكن الروح هي المعنى الأعمق اللي بيحرك الأحداث.”

كواليس المهنة والتحديات: فن الثبات

س: يُقال إن المحاماة هي فن الإقناع قبل أن تكون نصوصاً قانونية؛ ما هي أصعب لحظة واجهتها داخل قاعة المحكمة وشعرت فيها أن الكفة تميل ضد موكلك؟

اللحظات دي بتفضل محفورة في الذاكرة! أصعب لحظة بتكون لما تكون متأكد إن موكلك مظلوم، وقدمت كل الأدلة والبراهين اللي عندك، ولكن بتشوف نظرة في عين القاضي بيدل إن كل ده مش كافي. في اللحظات دي، بحاول أتنفس بعمق، وأفتكر إن شغلي هو إني أقدم كل اللي أقدر عليه، ببقى عايز ألاقي حجة جديدة، أو زاوية نظر مختلفة تنقذ الموقف.”

س: كيف تتعامل مع الضغوط النفسية والاجتماعية عندما تتولى الدفاع في “قضية رأي عام” يرفضها المجتمع مسبقاً؟

“دي بتكون حرب نفسية مش سهلة أبداً! لما المجتمع كله ضد موكلك، بتحس كأنك واقف لوحدك ضد جيش. أول حاجة بعملها إني بعزل نفسي شوية عن الضوضاء الخارجية، وأركز على الحقائق والأدلة اللي معايا. لازم أكون مؤمن بحقي في الدفاع، وبحاول أستخدم الضغط ده كوقود إضافي يخليني أشتغل بضمير أكتر وأبحث عن حجج أقوى.”القضاء والتطور التقني: مستقبل المهنة

س: مع صعود الذكاء الاصطناعي، هل تعتقد أن “المحامي الآلي” قد يحل مكان المحامي البشري؟

“أنا شايف إن الذكاء الاصطناعي هيكون أداة مساعدة قوية جداً في المهام الروتينية زي صياغة العقود أو البحث السريع. لكن، هل هيحل محل المحامي البشري تماماً؟ أنا أعتقد لأ، لأن فيه جوانب إنسانية عميقة لا يمكن للآلة تعويضها: فهم المشاعر، التعاطف، والقدرة على الإقناع العاطفي. القضية الإنسانية بتتطلب فهم بشري، مش مجرد تحليل بيانات.”

س: كيف أثرت التكنولوجيا وسرعة تداول المعلومات (السوشيال ميديا) على نزاهة التحقيقات وسير القضايا؟

“التكنولوجيا سهلت الوصول للمعلومة، لكن السوشيال ميديا خلقت ضغط كبير وأحياناً أحكام مسبقة قبل حتى ما تبدأ التحقيقات. ده بيخلي مهمة المحامي والباحث عن الحقيقة أصعب، لأننا بنحارب ‘تريندات’ وانطباعات عامة ممكن تأثر على مسار القضية لو متمسكناش بالحياد والموضوعية.

“العدالة والتشريع: رؤية للإصلاح

س: لو أتيحت لك الفرصة لتعديل مادة واحدة في القانون، ما هي ولماذا؟

“لو عندي الفرصة، هركز على التوسع في ‘العقوبات البديلة’ (كالخدمة المجتمعية). أنا بشوف إنها في كتير من الحالات بتكون أكثر فاعلية في الإصلاح من العقوبات السالبة للحرية، لأنها بتسمح للمخطئ إنه يرد الجميل للمجتمع ويتعلم من غلطه بشكل إيجابي بدل ما يتحول لشخص ناقم داخل السجون.”

رسالة للمجتمع والجيل القادم

س: ما هي النصيحة التي تقدمها لشباب المحامين الذين يرون في المهنة طريقاً للثراء والشهرة فقط؟

“نصيحتي ليهم إنهم يفتكروا دايماً إن المحاماة رسالة عدالة قبل أي شيء. الشهرة والفلوس ممكن ييجوا مع الوقت، لكن لو كان ده هدفك الوحيد، هتخسر متعة المهنة وشرفها. اشتغل على نفسك، اتعلم، خلي ضميرك هو اللي بيحركك، والمكانة اللي بتتمناها هتوصلك لوحدها طالما أنت مخلص لرسالتك.”

amaالقاهرة - مى عبده:عربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment