حوار خاص| معادلة الجودة والسعر.. كيف اقتحم مصنع “سكر” سوق الحلويات والمخبوزات؟

القاهرة – مي عبده:

في عالم الأعمال، لا تبدأ القصص الملهمة دائماً من قاعات المحاضرات الكبرى أو المخططات الاستثمارية الضخمة، بل قد تنبت من تفصيل صغير، أو “جلسة ودية” غير مقصودة، لتتحول بمرور الوقت إلى كيان اقتصادي يفرض نفسه على خارطة السوق.

هذه هي الحكاية التي يسطرها الشاب عبد الرحمن البرديسي، خريج التجارة والعلوم الذي اختار أن يرى العالم من عدسة مختلفة، بعيداً عن الأرقام التقليدية أو مهنة البصريات، ليقتحم “مملكة الدقيق والسكر” برؤية عصرية وقلب لا يعرف الاستسلام.

تبدأ الرحلة بمفارقة لافتة؛ فبينما كان يسعى لتأمين مستقبله الأكاديمي، كانت “صدفة” في منزل صديق كفيلة بتغيير بوصلته المهنية تماماً. قطعة “كرواسون” منزلية لم تكن مجرد ضيافة عابرة، بل كانت الشرارة التي أشعلت في ذهنه تساؤلاً حول الجودة والقيمة المضافة.

وبإيمان فطري بفكرة “الريادة من الشارع”، قرر البرديسي أن يحول الفكرة البسيطة إلى مشروع تجاري، متجاوزاً نظرات التشكيك وروح المزاح التي قوبل بها في البداية، ليثبت أن الإيمان بالذات هو أولى خطوات النجاح.

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، بل كان معبداً بالتجارب الميدانية في شوارع “الزمالك” وأروقة الجامعات، حيث صارع عبد الرحمن تحديات “التصنيع لدى الغير” وما تفرضه من قيود على الجودة والأسعار. ومن رحم هذه المعاناة، ولدت الرغبة في الاستقلال، ليضع حجر الأساس لـ “مصنع سكر”.

هذا الكيان الذي لم يكتفِ بمجرد إنتاج المخبوزات، بل سعى لتحقيق “المعادلة المستحيلة”: تقديم أعلى معايير الجودة العالمية وأجود المكونات (Ingredients) بأسعار تنافسية تكسر حدة السوق، وتجعل الرفاهية في متناول الجميع.

اليوم، يقف اسم “سكر” كعلامة تجارية تتسم بالبساطة والأصالة، حيث استطاع البرديسي أن يمزج بين الاحترافية في الإدارة وبين الابتكار في المنتج، متوسعاً من الكرواسون والباتيه إلى عالم “المولتن كيك” والـ “ساوردوه” والحلويات الفاخرة.

في هذا الحوار، نبحر في عقل هذا الشاب الطموح، لنستكشف كيف تحولت “خميرة” الفكرة إلى إمبراطورية “سكر” التي تذوب في تفاصيلها قصص الصبر، والاجتهاد، والسعي الدائم نحو القمة.

قصة “سكر” من الألف إلى الياء: حوار مطول مع رائد الأعمال عبد الرحمن البرديسي

عبد الرحمن، خلفيتك الأكاديمية في “التجارة” و”البصريات” تبدو بعيدة كل البعد عن رائحة المخبوزات وعجين الكرواسون. كيف حدث هذا التحول الجذري في مسارك المهني؟

قد يبدو الأمر غريباً، لكن التجارة في دمي قبل أن تكون مجرد دراسة. البداية لم تكن بخطة عمل معقدة، بل كانت “لحظة إلهام” في بيت أحد الأصدقاء.

كنا نذاكر سوياً، وقدمت لنا والدته “كرواسون” منزلياً، ومن أول قمة شعرت أن هذا المنتج يحمل روحاً وجودة تفتقدها الأسواق. في تلك اللحظة، لم أكتفِ بالاستمتاع بالمذاق، بل تحرك بداخلي “عقل التاجر”؛ عرضت عليهم فوراً أن يتحول هذا المطبخ المنزلي إلى خط إنتاج صغير وأتولى أنا النزول للشارع لبيعه.

أتذكر جيداً كيف تعاملوا مع اقتراحي بضحك ومزاح، ظناً منهم أنني أسلي وقتي، لكن بمجرد مغادرتي المنزل، بدأت رحلتي الحقيقية. نزلت لأدرس المخابز الشعبية والراقية، قارنت الأسعار والجودة، وقررت ألا أكون مجرد بائع، بل “صانع جودة”، فبدأت أضع معاييري الخاصة (Ingredients) وحشواتي المبتكرة، ليكون المنتج باسمي وبشخصيتي المستقلة.

استراتيجية “خميرة”.. من توزيع الشوارع إلى غزو الجامعات

البدايات دائماً ما تكون اختباراً للصبر. كيف استطعت تحويل منتج مجهول إلى اسم يبحث عنه الناس في مناطق راقية مثل الزمالك أو داخل الحرم الجامعي؟

الصبر والإصرار هما “الخميرة” الحقيقية لنجاحنا، وهو الاسم الذي اخترناه في البداية. لم ننتظر الزبون ليأتي إلينا، بل ذهبنا نحن إليه.

بدأت أوزع المنتج في الماركتس الكبرى، ولكي أضمن تقديم التجربة المثالية، كنت أوفر للمحل “ميكرويف” واستاند عرض خاص بمنتجاتنا لضمان تقديم الكرواسون ساخناً وطازجاً كما خرج من الفرن.

هذا الاهتمام بالتفاصيل جعل “خميرة” اسماً يتردد بين الطلبة وفي أرقى المناطق. ومع تطور الطموح، أردنا اسماً أكثر سهولة وعربية وقرباً من الوجدان، فاخترنا “سكر”.

اسم بسيط، يسهل حفظه، ووقعه على الأذن مألوف جداً، مما حوله سريعاً من مجرد منتج إلى “براند” موثوق يسأل عنه المستهلك بالاسم.

معركة الاستقلال.. لماذا كان امتلاك المصنع قرار “حياة أو موت” للمشروع؟

تحدثت عن مرحلة صعبة وهي “التصنيع لدى الغير”. ما هي الكواليس التي دفعتك للمخاطرة وتأسيس مصنعك الخاص في وقت قد يفضل فيه البعض الأمان المادي؟

التصنيع عند الغير هو “سجن للإبداع”. كنت أواجه تحديات يومية لا حصر لها؛ فالمصنع الذي ينتج لك يتحكم في جودتك، وفي مواعيد تسليمك، والأخطر من ذلك أنه يتحكم في تكلفة منتجك.

شعرت أن حلمي مهدد بالضياع إذا استمررت في هذا الوضع. لذا، منذ حوالي أربع سنوات، اتخذنا القرار الاستراتيجي الأهم: “بناء المصنع”. لم يكن الأمر سهلاً أو مفاجئاً، بل كان رحلة بناء هادئة؛ كنا نشتري المعدات قطعة قطعة بينما لا نزال نصنع عند الآخرين.

استنزف ذلك منا جهداً ومالاً كبيراً، لكننا لم نتوقف حتى اكتملت منظومتنا الخاصة. اليوم، عندما أدخل مصنع “سكر”، أشعر بالحرية المطلقة؛ نحن من نحدد المعايير، ونحن من نضمن أن كل قطعة تخرج لعملائنا تحمل توقيعنا الخاص دون تدخل أو قيود من أحد.

فلسفة القيمة.. كيف تكسر “سكر” قاعدة “الغالي ثمنه فيه”؟

في ظل التضخم وارتفاع الأسعار، ترفعون شعار “الجودة الفائقة بالسعر العادل”. كيف تحققون هذه المعادلة الصعبة دون خسارة؟

السر يكمن في “إدارة الجودة”. نحن لا نوفر في الخامات، بل نستخدم أفضل المكونات (High-end Ingredients) لأننا نؤمن أن المستهلك ذكي ولن يرضى ببدائل ضعيفة. تميزنا الحقيقي يكمن في تقديم “منتج فاره” بسعر في متناول اليد.

عندما نقارن أسعارنا بما يقدمه السوق لنفس الجودة، نجد أننا في منطقة تنافسية جداً، بل قد أصف أسعارنا بأنها “قمة في الروعة”. نحن نعتمد على حجم مبيعات كبير وهامش ربح عادل مقابل كسب ثقة وولاء العميل، وهو ما نعتبره رأس مالنا الحقيقي.

المحور الخامس: أفق لا ينتهي.. من الكرواسون إلى عالم الحلويات الفاخرة والساوردوه

“سكر” اليوم تجاوزت فكرة المخبوزات التقليدية، حدثنا عن تنوع المنتجات الحالي ورؤيتك لتطوير “سكر” في المستقبل؟

نحن نتطور مع ذوق العميل المصري الذي أصبح يبحث عن التميز. اليوم، مصنع “سكر” يقدم قائمة فخورة ومتنوعة؛ دخلنا بقوة في عالم الحلويات الغربية مثل “المولتن كيك” الذي نعتبره أحد أيقوناتنا، بالإضافة إلى التشيز كيك، البراونيز، ومختلف أنواع الكيك.

ولم ننسَ عشاق المخبوزات الصحية والأصيلة، فوفرنا “الساوردوه” (Sourdough) والتوست بمواصفات عالمية.

رؤيتي هي أن يصبح “سكر” هو الخيار الأول لكل بيت يبحث عن “لقمة نضيفة” وجودة تحترم عقله وميزانيته، وسنستمر في الابتكار وإضافة منتجات جديدة تواكب شغفنا بالصناعة.

amaالقاهرة - مى عبده:عربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment