القاهرة – مي عبده:
في لحظة تختلط فيها المهنية القانونية بالمسؤولية الإنسانية، أطلقت المستشارة هايدي الفضالي مبادرة مجتمعية تحمل عنوان “الصلح خير”، في خطوة تعكس رؤية مختلفة لدور القانون، ليس فقط كأداة للفصل في النزاعات، بل كوسيلة لإعادة بناء ما يمكن إنقاذه من العلاقات الأسرية قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة.
المبادرة، التي أعلنت عنها المستشارة في رسالة مباشرة ومؤثرة، تستهدف فئة المطلقين والمطلقات الذين لم يدخل أي منهم في زيجة جديدة، داعية إياهم إلى إعادة التفكير في قرار الانفصال، ومحاولة استعادة الحياة الزوجية قبل صدور التعديلات المرتقبة على قانون الأحوال الشخصية، والتي قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين الأطراف بشكل أكثر تعقيدًا أو حسمًا.
وقالت المستشارة هايدي الفضالي في إعلانها: “أي اثنين اطلقوا وينفع يرجعوا ومحدش اتجوز فيهم.. يالا بسرعة قبل إصدار القانون الجديد.. الحياة مش أحلى حاجة بعد الطلاق والله”.
هذه الكلمات، رغم بساطتها، حملت في طياتها خبرة سنوات طويلة داخل ساحات المحاكم، حيث عايشت عن قرب تداعيات الانفصال على الأزواج، والأبناء، والبنية الاجتماعية ككل.
تفاعل واسع خلال دقائق
لم تمر دقائق على إطلاق المبادرة، حتى انهالت عشرات الرسائل على مكتب المستشارة، في مؤشر واضح على حجم الاحتياج المجتمعي لمثل هذه المبادرات، وعلى وجود رغبة حقيقية لدى كثير من الأطراف في إعادة النظر في قراراتهم السابقة.
وأكدت المستشارة: “في عدة دقائق من إطلاق المبادرة لاقيت عشرات الرسائل.. فيه أمل”.
هذا التفاعل السريع يعكس جانبًا إنسانيًا مهمًا غالبًا ما يغيب خلف الإجراءات القضائية، وهو أن كثيرًا من حالات الطلاق لا تكون نتيجة استحالة العشرة، بل نتيجة لحظات غضب، أو سوء تفاهم، أو غياب قنوات الحوار.
مكتب مفتوح للصلح.. ومبادرة بلا مقابل
وفي خطوة لافتة، أعلنت المستشارة هايدي الفضالي أن مكتبها مفتوح بالكامل لكل من يرغب في الصلح، مؤكدة استعدادها الشخصي للإشراف على إجراءات إعادة الزواج.
وأضافت: “بأكد مكتبي مفتوح لمن يريد الصلح، وهحضر بنفسي كتب الكتاب ولو كل ساعة والله، ونتصور ونفرح”.
ولم تقتصر المبادرة على إعادة الأزواج فقط، بل امتدت لتشمل الحالات التي يستحيل فيها الرجوع، حيث أوضحت أنها مستعدة لصياغة عقود اتفاق بين الطرفين، كبديل حضاري عن النزاعات القضائية.
وقالت: “واللي مش نافع يرجع لظروف خاصة نعمل عقد اتفاق بدل المحاكم ومصاريف المحاماة.. أنتم وأولادكم أولى”.
كما شددت على أن هذه المبادرة تُقدم بشكل مجاني بالكامل، معتبرة إياها “هدية” للمجتمع، في لفتة تؤكد أن الهدف الأساسي هو الإصلاح، لا المكسب.
خلفية قانونية وإنسانية
وتأتي هذه المبادرة في سياق مسيرة مهنية حافلة للمستشارة هايدي الفضالي، التي تُعد واحدة من أبرز الأسماء القانونية في مصر، ومن أوائل القاضيات اللاتي تولين مناصب قضائية مؤثرة، حيث شغلت رئاسة محكمة الأسرة، ورئاسة محكمة جنايات الأحداث، إلى جانب خبرة ممتدة في المحاكم المدنية والجنائية.
وعُرفت الفضالي بمواقفها الجريئة في قضايا الأسرة، ودعواتها المستمرة لإصلاح قانون الأحوال الشخصية، خاصة فيما يتعلق بالطلاق الغيابي، والنفقات، وحقوق الطفل، والرعاية المشتركة.
كما لعبت دورًا بارزًا في نشر الوعي القانوني من خلال مشاركاتها الإعلامية والمؤتمرات، حيث دعت إلى بناء “دولة سيادة القانون” من خلال تكامل دور القضاء، والإعلام، والمجتمع المدني.
قراءة واقعية لما بعد الطلاق
تعكس مبادرة “الصلح خير” رؤية واقعية اكتسبتها المستشارة من خلال تعاملها مع آلاف القضايا، حيث تؤكد أن الحياة بعد الطلاق ليست دائمًا كما يتخيلها البعض.
واختتمت رسالتها بعبارة تحمل تحذيرًا صريحًا: “فكروا قبل فوات الأوان.. محدش كسبان الطلاق، ولو اتعمل ألف تعديل للقانون”.
ما بين القانون والإنسان
لا تُعد هذه المبادرة مجرد دعوة عاطفية، بل محاولة لإعادة التوازن بين النص القانوني والواقع الإنساني، بين الحق في الانفصال، وضرورة الحفاظ على الأسرة حين يكون ذلك ممكنًا.
وفي وقت تتزايد فيه معدلات الطلاق، وتتصاعد فيه النزاعات الأسرية، تبدو مثل هذه المبادرات بمثابة نافذة أمل، تعيد طرح سؤال بسيط لكنه عميق: هل يمكن إنقاذ ما تبقى… قبل أن يتحول الخلاف إلى قضية؟
مبادرة “الصلح خير” قد لا تكون حلًا لكل الحالات، لكنها بالتأكيد تفتح بابًا كان مغلقًا أمام كثيرين… باب العودة.