“أبو طاحون”.. قصة فسيخة فتحت أبواب القصر الملكي“

القاهرة ـ مصطفى المصري:

في قلب المهندسين، وعلى امتداد شارع السودان الذي لا يهدأ، حيث تتقاطع الحكايات اليومية مع تفاصيل الحياة السريعة، يبرز اسم “أبو طاحون” كواحد من العلامات التي لم تصنعها الدعاية بقدر ما صنعتها التجربة والسنين. هنا لا نتحدث فقط عن فسيخ ورنجة، بل عن تاريخ ممتد عبر أجيال، يحمل في طياته أسرار مهنة عريقة قاومت الزمن، ونجحت في أن تحجز لنفسها مكانًا ثابتًا في ذاكرة المصريين.

ليس مجرد محل، بل حكاية عائلة بدأت من دسوق بمحافظة كفر الشيخ، حيث تُصنع السمعة قبل المنتج، وحيث تحوّلت الحرفة إلى إرث يُورَّث كما تُورَّث الأسماء الكبيرة. من هناك، خرج “أبو طاحون” ليشق طريقه إلى القاهرة، محافظًا على نفس الروح القديمة، لكن بعقلية جديدة تفهم السوق وتواكب تغيراته.

وراء هذا الاسم تقف قصة تحمل مزيجًا من الجرأة والتراث؛ قصة جد قرر أن يذهب بهدية غير تقليدية إلى القصر الملكي في زمن الملك فاروق، ليضع الفسيخ على مائدة لم تكن تعرفه من قبل، فتبدأ رحلة طويلة من إثبات الجودة، وصولًا إلى شهادة موثقة تؤكد قيمته الغذائية، لتتحول الحكاية من مجرد تجربة إلى نقطة انطلاق لاسم أصبح اليوم “براند” له ثقله بين محبي الأسماك.

وفي ظل هذا التاريخ الطويل، يظل السؤال حاضرًا: كيف بدأت الحكاية أصلًا، وكيف استطاع “أبو طاحون” أن يحافظ على مكانته وسط سوق مزدحم بالمنافسين؟

بص هو الموضوع مش حكاية سنة ولا اتنين، إحنا بنتكلم في تاريخ جاي من الجدود، يعني أكتر من 100 سنة فعلًا، وأنا عندي سجل تجاري من سنة 48، بس الشغل نفسه أقدم من كده بكتير. إحنا أصلنا من دسوق كفر الشيخ، ودي أساس الشغلانة كلها، هناك الفسيخ ليه أصوله وقواعده. الموضوع مش مجرد تجارة، ده اسم عيلة وتاريخ، واللي اشتغل قبلنا كانوا ناس معروفين جدًا في المجال، وده اللي مخلّي الاسم لحد النهارده عايش ومكمل.

ومع امتداد الحكاية عبر الأجيال، تبقى واحدة من أكثر الروايات إثارة هي تلك المرتبطة بالقصر الملكي، فكيف وصل الفسيخ إلى هناك في وقت لم يكن معروفًا بالشكل الحالي؟

اللي حصل إن زمان الفسيخ مكنش معروف زي دلوقتي، فـ جدي حب يعمل حاجة مختلفة، فجاب فسيخة كبيرة جدًا وحطها في صندوق فضة ووداها كهدية للملك فاروق.

وقتها الناس مكانتش فاهمة الفسيخ أصلاً، فـ اتحجز جدي فترة لحد ما اتأكدوا من الموضوع ده إيه. بعد كده حصل تحليل كامل للفسيخ داخل القصر الملكي، واتثبت إنه مفيد وفيه عناصر مهمة زي اليود، وده كان بإشراف دكتور متخصص في تغذية الملك. القصة دي بالنسبالنا مش مجرد حكاية، دي شهادة على إن الشغلانة دي كانت دايمًا معمولة بإتقان حتى من زمان.

ومع مرور الزمن وتغير الأسواق، يبرز تحدٍ مختلف: كيف يمكن الحفاظ على اسم عائلي في سوق مفتوح مليء بالمنافسين والتشابهات؟

“أبو طاحون” مش اسم محل، ده لقب عيلة، وده اللي فارق. إحنا مسجلين الاسم، وفي ناس حاولت تشتغل بيه فعلًا، لكن اتقفلهم لأن الاسم له أصله. اللي من العيلة يفتح يفتح باسمه عادي، لكن حد غريب لا. ممكن تختلف العلامة أو الشكل، لكن الاسم نفسه ثابت. إحنا بنحافظ عليه لأنه رأس مالنا الحقيقي، مش بس المنتج

ومع تطور الذوق العام واتساع المنافسة، أصبح من الضروري مواكبة السوق، فمتى جاءت خطوة التوسع من الفسيخ والرنجة إلى باقي أنواع الأسماك؟

إحنا شغالين في السمك من زمان، لأن عندنا مزارع سمكية في كفر الشيخ، في دمرو، فيها بلطي وبوري، فإحنا فاهمين السمك كويس جدًا.

لكن فكرة إن يبقى عندنا مطعم سمك بالشكل ده، ده حصل من حوالي 4 أو 5 سنين بس. بدأنا ندخل الشوي والقلي جنب الفسيخ والرنجة، وده وسّع الشغل جدًا وخلّى عندنا جمهور أكبر.

وفي قلب هذه التجربة، يظل فرع شارع السودان علامة فارقة، فماذا يميز هذا الفرع تحديدًا؟

ده الفرع الأساسي بتاعي أنا، وبدأته من 2016. شارع السودان مكان حيوي جدًا، فيه كل الفئات: طلبة، دكاترة، ناس شغالة، وده بيخلي الحركة فيه طول الوقت. النجاح هناك جه من إن الناس جربت الأكل بنفسها، مش بس من السوشيال ميديا. الكلمة اللي بتتقال من زبون لزبون هي أهم حاجة، ودي اللي بتبني السمعة بجد.

ومع النجاح في المهندسين، جاءت خطوة التوسع إلى مناطق جديدة، فكيف كانت تجربة حدائق الأهرام؟

كانت فكرة عن طريق صديق، وقال إن المنطقة مفيهاش حد متخصص في الفسيخ، ففتحنا، والحمد لله ربنا كرمنا جدًا. الزبون هناك كويس جدًا، وبعد ما فتحنا بدأ ناس كتير تدخل المجال في نفس المنطقة، وده طبيعي لما يبقى في نجاح واضح.

وفي ظل هذا التوسع، تظل هناك تساؤلات عن الخطوات القادمة، خاصة مع طرح أفكار مثل التواجد في مناطق ذات كثافة سكانية كبيرة كفيصل، فهل تمثل هذه المناطق فرصة حقيقية؟

بص، فيصل منطقة كبيرة جدًا وفيها تنوع غريب في الناس، وده ممكن يبقى ميزة كبيرة لأي مشروع. بس في نفس الوقت فيها منافسة كتير، ولازم لما تدخلها تبقى داخل بشكل مختلف وقوي. الفكرة واردة طبعًا، لكن لازم تبقى مدروسة كويس، لأن النجاح مش بس في المكان، النجاح في إيه اللي بتقدمه جوه المكان.

ورغم كل هذه المنافسة، يظل الإقبال مستمرًا، ما يطرح سؤالًا مهمًا: ما سر هذا النجاح؟

السر بسيط جدًا: الجودة والنضافة. اللي بياكل مرة ويرتاح، هو اللي بيرجع ويجيب معاه غيره. السوشيال ميديا مهمة، بس مش هي الأساس.

الأساس إن الأكل يطلع مظبوط كل مرة، والزبون يثق فيك. إحنا بنشتغل على ده من زمان، وده اللي مخلّي الناس تيجي من أماكن بعيدة مخصوص علشان تاكل عندنا.

ومع الحفاظ على هذا النجاح، تتجه الأنظار نحو المستقبل، فما هي خطط التوسع القادمة؟

إن شاء الله في تفكير نفتح في مدينة نصر أو التجمع، لأن دول مناطق فيها كثافة وسوق قوي. أنا مركز دلوقتي على القاهرة والجيزة، لأنهم قلب الشغل. وبعدين ممكن نفكر في بره مصر، لكن خطوة زي دي لازم تبقى محسوبة كويس جدًا، خصوصًا موضوع “الفرانشايز”، لأنه ممكن يضر الاسم لو اتعمل غلط.

وفي ختام هذا الحوار، تبقى الفلسفة هي ما يصنع الفارق الحقيقي، فما الذي يقوم عليه نجاح “أبو طاحون” حتى اليوم؟

إحنا بنشتغل بمبدأ إن الاسم أهم من أي مكسب سريع. ممكن تكسب مرة وتخسر اسمك، لكن لو حافظت على اسمك هتكسب طول العمر. الشغلانة دي مش بس أكل، دي ثقة بينك وبين الزبون، ولو الثقة دي راحت، كل حاجة بتروح بعدها.

amaالقاهرة - مصطفي المصري:عربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment