جامعة الجيزة الجديدة.. صرح أكاديمي يعيد رسم خارطة التعليم العالي في مصر

القاهرة _ مصطفى المصري

في قلب القاهرة الكبرى، وعلى مقربة من واحدة من أكثر المناطق ارتباطًا بتاريخ الحضارة المصرية، تواصل جامعة الجيزة الجديدة (NGU) ترسيخ حضورها ضمن منظومة التعليم العالي الخاص في مصر، عبر نموذج أكاديمي يقوم على الجمع بين جودة التعليم، والانفتاح على الخبرات الدولية، وربط الدراسة الجامعية باحتياجات سوق العمل المتغيرة.

ومنذ تأسيسها عام 2016، عملت الجامعة على بناء منظومة تعليمية متعددة التخصصات، تضم مجالات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة وتكنولوجيا المعلومات وإدارة الأعمال والاقتصاد والسياسة والفنون والتصميم، بما يعكس توجهًا نحو تقديم مسارات تعليمية متنوعة تستجيب للتحولات المتسارعة في سوق العمل والاقتصاد الرقمي.

ولا تقتصر تجربة الجامعة على تقديم برامج للحصول على الدرجات العلمية، وإنما تقوم فلسفتها على بناء بيئة تعليمية تسعى إلى تطوير شخصية الطالب، وتعزيز قدراته البحثية والتطبيقية، وإتاحة فرص للتفاعل مع الخبرات الأكاديمية والمهنية داخل مصر وخارجها.

قيادة أكاديمية تجمع بين الخبرة الطبية والإدارية

يقود الجامعة الأستاذ الدكتور أحمد سامح فريد، مؤسس ورئيس جامعة الجيزة الجديدة، الذي يمتلك مسيرة طويلة في مجالي التعليم الطبي والإدارة الأكاديمية والصحية.

وشغل الدكتور فريد منصب وزير الصحة والسكان عام 2011، كما تولى سابقًا عمادة كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، ورئاسة مجلس إدارة مستشفيات جامعة القاهرة، إلى جانب مسؤوليات أكاديمية ومهنية متعددة في مجال طب الأنف والأذن والحنجرة والتعليم الطبي.

وتعكس هذه الخلفية توجهًا واضحًا نحو التعامل مع التعليم باعتباره منظومة متكاملة لا تنفصل فيها المعرفة الأكاديمية عن التدريب والتطبيق والبحث العلمي، وهي فلسفة تظهر بصورة خاصة في القطاعات الطبية والهندسية والتكنولوجية بالجامعة.

التعليم الدولي.. شراكات تتجاوز حدود المناهج

من أبرز ملامح تجربة جامعة الجيزة الجديدة اعتمادها على شراكات أكاديمية دولية تهدف إلى الاستفادة من الخبرات العالمية في تطوير البرامج الدراسية وأساليب التعليم وضمان الجودة.

وتأتي University College London (UCL) في مقدمة هذه الشراكات، حيث يرتبط التعاون بين المؤسستين بعدد من المجالات، من بينها الطب والصيدلة وطب الأسنان والهندسة.

ووفقًا للجامعة، شمل التعاون العمل على تطوير البرامج والمناهج والموارد التعليمية، ووضع أطر للحوكمة والجودة، وتطوير أعضاء هيئة التدريس، بما يساعد على بناء برامج أكاديمية تتوافق مع المعايير والممارسات الدولية.

ولا تتوقف الشراكات الدولية عند القطاع الطبي والهندسي، إذ ترتبط الجامعة كذلك بتعاون أكاديمي مع King’s College London في مجالات الاقتصاد والعلوم السياسية وإدارة الأعمال والتمويل، حيث شارك أكاديميون من الجانبين في تطوير المناهج وأطر ضمان الجودة والموارد التعليمية.

كما تعمل كلية الفنون والتصميم بالجامعة بالتعاون مع Milano Fashion Institute، بما يدعم تحديث برامج التصميم الداخلي وتصميم الأزياء والتصميم الجرافيكي ومواكبتها للتطورات العالمية في مجالات التصميم والإبداع.

من الطب إلى التكنولوجيا.. منظومة أكاديمية متنوعة

تضم الجامعة حاليًا مجموعة من المدارس الأكاديمية التي تغطي قطاعات مختلفة، تبدأ بالعلوم الصحية ولا تنتهي بالتكنولوجيا والفنون.

ويأتي القطاع الطبي في مقدمة هذه المنظومة، من خلال مدارس الطب وطب الأسنان والصيدلة، إلى جانب مدارس الهندسة وتكنولوجيا المعلومات وإدارة الأعمال والتمويل والاقتصاد والعلوم السياسية والفنون والتصميم.

ويمنح هذا التنوع الطلاب فرصة الدراسة في بيئة تضم تخصصات مختلفة، بما يفتح الباب أمام مزيد من التفاعل بين المجالات العلمية والعملية، خصوصًا في عصر أصبحت فيه العديد من الوظائف الجديدة قائمة على تداخل أكثر من تخصص.

الطب.. من الدراسة النظرية إلى التدريب العملي

يمثل التعليم الطبي أحد المحاور الأساسية في تجربة الجامعة، ليس فقط بسبب وجود مدارس الطب وطب الأسنان والصيدلة، ولكن أيضًا بسبب التركيز على التدريب والتطبيق والبحث العلمي.

وتشير الجامعة إلى أن التعاون مع UCL ساهم في تطوير برامجها الصحية، بداية من الطب والصيدلة وطب الأسنان، مع امتداد التعاون لاحقًا إلى مدرسة الهندسة. وشمل ذلك تطوير المناهج، والبنية التحتية، وعمليات تقييم البرامج، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، وضمان جودة العملية التعليمية.

كما يمثل افتتاح مستشفى جامعة الجيزة الجديدة خطوة إضافية في تعزيز منظومة التعليم الطبي والتدريب السريري، بما يربط بين الجانب الأكاديمي والخبرة العملية ويتيح بيئة أكثر تكاملًا للتدريب والخدمة الصحية.

التكنولوجيا.. الجامعة تواكب اقتصاد المستقبل

وفي الوقت الذي تتغير فيه طبيعة الوظائف بوتيرة متسارعة، أصبح التعليم التكنولوجي أحد المحاور الرئيسية في تطوير الجامعات الحديثة.

وتضم NGU مدرسة لتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب برامج الهندسة، وهو ما يضع التكنولوجيا والهندسة ضمن مكونات أساسية في منظومتها الأكاديمية.

ولم تتوقف الجامعة عند التعليم التقليدي في المجال التكنولوجي، إذ أعلنت مؤخرًا عن إطلاق برنامج متخصص في الأمن السيبراني، كما شاركت في إطلاق دبلومة متخصصة في الذكاء الاصطناعي للقطاع المصرفي بالتعاون مع مؤسسات تدريبية ومالية، بما يعكس اتجاهًا نحو ربط التعليم بالاحتياجات الفعلية للقطاعات الاقتصادية الجديدة.

وتبرز هذه الخطوة أهمية بناء جسور بين الجامعة وسوق العمل، بحيث لا يقتصر دور المؤسسة التعليمية على منح الشهادة، وإنما يمتد إلى إعداد خريج قادر على التعامل مع التكنولوجيا والمهارات المطلوبة في القطاعات الأكثر نموًا.

إدارة الأعمال والاقتصاد.. قراءة في تحولات السوق

تحتل مجالات إدارة الأعمال والتمويل والاقتصاد والعلوم السياسية مساحة مهمة داخل الجامعة، مدعومة بالتعاون الأكاديمي مع King’s College London.

ويستهدف هذا المسار إعداد الطلاب لفهم بيئة الأعمال والاقتصاد والسياسة بصورة أكثر شمولًا، مع التركيز على تطوير المناهج والموارد التعليمية وأطر ضمان الجودة بالتعاون مع الجانب الأكاديمي البريطاني.

وتزداد أهمية هذه المجالات مع اتساع دور الاقتصاد الرقمي، وتغير أنماط الإدارة والتمويل، وظهور وظائف جديدة تحتاج إلى خريجين يمتلكون مهارات التحليل واتخاذ القرار والتعامل مع البيانات.

الفنون والتصميم.. مساحة للإبداع والابتكار

ولا تقتصر منظومة الجامعة على العلوم التطبيقية والتخصصات الاقتصادية، إذ تحضر الفنون والتصميم باعتبارهما جزءًا من بناء الاقتصاد الإبداعي.

وتضم الجامعة مدرسة للفنون والتصميم، وتشمل برامجها التصميم الداخلي وتصميم الأزياء والتصميم الجرافيكي، مع تعاون دولي مع Milano Fashion Institute.

ويهدف هذا الاتجاه إلى منح الطلاب فرصة الجمع بين المعرفة الأكاديمية والمهارات العملية، بما يتيح لهم الانتقال من مرحلة دراسة التصميم إلى مرحلة إنتاج أفكار وحلول قابلة للتطبيق في سوق العمل.

الجامعة وسوق العمل.. من المدرج الجامعي إلى الحياة المهنية

أحد التحديات الأساسية أمام التعليم العالي في الوقت الراهن هو كيفية الانتقال بالطالب من المعرفة النظرية إلى القدرة على العمل والإنتاج.

وفي هذا السياق، تسعى الجامعة إلى تعزيز ارتباط الطلاب بالقطاع المهني من خلال الأنشطة والفعاليات التي تجمع الطلاب والخريجين والشركات ورواد الأعمال.

ومن بين هذه المبادرات فعالية NGU Connect، التي جمعت الطلاب والخريجين والشركات والشركات الناشئة في مساحة واحدة للتواصل والتعرف على فرص العمل وريادة الأعمال، وهو ما يعكس توجهًا نحو جعل الحياة الجامعية أكثر ارتباطًا بالواقع المهني.

البحث العلمي.. المعرفة كأداة للتنمية

يمثل البحث العلمي أحد العناصر الأساسية في تقييم أداء الجامعات الحديثة، خاصة مع تزايد الحاجة إلى حلول علمية في مجالات الصحة والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد والبيئة.

وتضم جامعة الجيزة الجديدة مركزًا للبحوث إلى جانب مكتبتها والمنظومة الأكاديمية المختلفة، كما تستند شراكاتها الدولية إلى التعاون في التعليم والبحث وتطوير أعضاء هيئة التدريس.

كما عززت الجامعة تعاونها المحلي في المجال الطبي من خلال بروتوكول تعاون مع جامعة القاهرة شمل مبادرات تعليمية وبحثية مشتركة في الطب وطب الأسنان والصيدلة، إلى جانب التدريب السريري والتبادل الأكاديمي وخدمة المجتمع.

الجودة.. معيار أساسي في بناء التجربة التعليمية

لا يمكن الحديث عن التعليم العالي الحديث دون التوقف عند مفهوم الجودة، باعتباره عنصرًا أساسيًا في تقييم البرامج الأكاديمية وفاعلية العملية التعليمية.

وتضم الجامعة مركزًا لضمان الجودة يتولى متابعة البرامج التعليمية والتأكد من توافقها مع معايير الجودة، إلى جانب العمل على تطوير العملية التعليمية والتقييم المستمر للبرامج.

كما أعلنت الجامعة انضمامها إلى تصنيفات Times Higher Education، وحققت في تصنيف Impact Rankings 2026 نتائج في عدد من أهداف التنمية المستدامة، من بينها الصحة والرفاه، والعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والشراكات من أجل الأهداف.

مجتمع جامعي لا يقتصر على المحاضرات

تقوم التجربة الجامعية الحديثة على أكثر من المحاضرات والامتحانات؛ فالطالب يحتاج أيضًا إلى ممارسة الأنشطة والتواصل مع زملائه وأعضاء هيئة التدريس واكتشاف اهتماماته وقدراته خارج التخصص الأكاديمي.

وتؤكد الجامعة في رؤيتها على توفير تجربة تجمع بين الجوانب الأكاديمية والاجتماعية والأنشطة الطلابية، بما يمنح الطالب مساحة لتطوير شخصيته إلى جانب تحصيله العلمي.

وهنا تصبح الجامعة مساحة لبناء الخبرات والعلاقات والمهارات، وليس مجرد مكان للحصول على شهادة جامعية.

من الجيزة إلى العالم

تعكس تجربة جامعة الجيزة الجديدة اتجاهًا متناميًا داخل التعليم العالي المصري نحو الاستفادة من الخبرات الأكاديمية العالمية مع الحفاظ على وجود البرامج داخل مصر.

فالتعاون مع جامعات ومؤسسات دولية مثل UCL وKing’s College London وMilano Fashion Institute لا يقتصر على الاسم أو التبادل الرمزي، وإنما يمتد إلى تطوير البرامج والمناهج وضمان الجودة والتدريب وتطوير أعضاء هيئة التدريس.

وفي المقابل، تمنح هذه التجربة الطالب المصري فرصة الحصول على تعليم داخل مصر يستفيد من خبرات دولية، دون أن يعني ذلك بالضرورة الانتقال إلى الخارج لاستكمال المسار الأكاديمي.

رؤية تتجاوز الشهادة الجامعية

تبدو الصورة الأوسع لجامعة الجيزة الجديدة مرتبطة بفكرة أساسية: ماذا يحتاج خريج المستقبل؟

الإجابة لم تعد تقتصر على المعرفة المرتبطة بتخصص محدد، وإنما تشمل القدرة على البحث والتحليل، واستخدام التكنولوجيا، والعمل ضمن فريق، والتواصل، والتكيف مع سوق يتغير بصورة مستمرة.

ومن هنا يأتي تنوع المدارس الأكاديمية، وتعدد الشراكات الدولية، والتركيز على التدريب والبحث والأنشطة المهنية، باعتبارها عناصر تسعى الجامعة من خلالها إلى بناء تجربة تعليمية أكثر ارتباطًا بالواقع.

التعليم كاستثمار في المستقبل

في النهاية، لا يمكن اختزال جامعة الجيزة الجديدة في مبانٍ جامعية أو مجموعة من الكليات والبرامج الدراسية؛ فالمشروع الأكاديمي الأوسع يتمثل في محاولة بناء نموذج تعليمي يجمع بين المعرفة والتطبيق، والتعليم والبحث العلمي، والخبرة المحلية والانفتاح الدولي.

ومع توسع احتياجات سوق العمل وظهور تخصصات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي والاقتصاد الإبداعي، تصبح قدرة الجامعات على تحديث برامجها والاستجابة لهذه التحولات عاملًا رئيسيًا في تحديد موقعها داخل خريطة التعليم العالي.

ومن هذه الزاوية، تواصل جامعة الجيزة الجديدة بناء هويتها الأكاديمية على مجموعة من المحاور المتوازية: تعليم يستند إلى الجودة، شراكات دولية تنقل الخبرات، برامج متعددة التخصصات، اهتمام بالبحث العلمي، وتدريب يضع الطالب أمام متطلبات الحياة المهنية قبل التخرج.

وبين موقعها في الجيزة، وتنوع مدارسها، وشراكاتها مع مؤسسات أكاديمية دولية، ومحاولاتها ربط الدراسة باحتياجات المجتمع وسوق العمل، تطرح الجامعة نموذجًا يعكس جانبًا من التحول الذي يشهده التعليم العالي في مصر؛ تحول لا يقيس نجاح الجامعة بعدد خريجيها فقط، وإنما بقدرتها على إعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارات والمرونة اللازمة لصناعة مستقبل أكثر تنافسية.

amaالقاهرة - مصطفي المصري:عربوكالة الإعلام العربية
Comments (0)
Add Comment