dhl
dhl

دكتور مصطفي السعداوي يكتب في الذكري 33 لإسترداد طابا:(ليت قومي يعلمون)

أمراً كان مقضيا، لا يفرط المصري في أرضه عقيدة يتوارثها الشعب المصري جيلا بعد جيل، وتعد أبرز صور هذه المحافظة الجهاد المصري للحفاظ علي طابا الساحرة، والتي كانت موطئ طمع من كل المعتدين إسرافاً بدءاً من عام 1906 وهكذا فالتاريخ يقول وسيبقي يقول أن طابا أرض صرية.
حضرات السادة: الذين يعيشون بعقيدة أن الحرب هي التي تصون مصالحهم ووجودهم، لا يستلهمون حكمة التاريخ، ولا يُعبِّرون عن نبض شعوبهم أبداً”.. هكذا تحدث الرئيس الأسبق مبارك في 19 مارس 1989 ليُسدل الستار عن المشهد الأخير لأول تسوية من نوعها في الشرق الأوسطـ، حول نزاع حدودي بين إسرائيل ومصر عن طريق التحكيم الدولي.
لم يكن النزاع حول طابا مع إسرائيل هو الأول من نوعه بالنسبة لمصر. ففي أوائل القرن العشرين، وتحديدا في عام 1906، شهدت طابا التي تبعد عن مدينة شرم الشيخ (جنوب شبه جزيرة سيناء) نحو 240 كم جنوباً، نزاعا بين مصر وسلطة الاحتلال البريطاني وتركيا. وكانت البداية بأن أرسلت تركيا قوة لاحتلالها مخالفة بذلك ما جاء بفرمان 1841 و 1892 الخاصين بولاية مصر والحدود الدولية الشرقية لها، والممتدة من رفح شمالاً على ساحل البحر المتوسط إلى رأس خليج العقبة جنوباً شاملة قلاع العقبة وطابا”.
ومع تدخل بريطانيا لمنع تكريس الأمر الواقع على الحدود، حفاظا على مصالحها، ازدادت المشكلة تعقيدا وتعدت أزمة طابا، وامتدت إلى منطقة رفح في أقصى الشمال، حيث قامت الدولة العثمانية بإرسال قوة من جنودها باحتلال مدينة رفح، وإزالة أعمدة الحدود الدولية بها. وبعد تهديد متبادل باستخدام القوة العسكرية، بين بريطانيا والباب العالي في تركيا، عادت القوات العثمانية إلى ديارها، وتم تعيين لجنة مشتركة مع الجانب المصري والبريطاني لإعادة ترسيم الحدود إلى ما كانت عليه مع تدقيقها طبقاً لمقتضى القواعد الطبوغرافية لتحديد نقاط الحدود الطبيعية، حيث بلغت عدد العلامات الحدودية من رفح شمالاً إلى طابا جنوباً 91 علامة، كانت آخرها على رأس طابا”.
ومع دخول النزاع العسكري بين مصر وإسرائيل إلى مرحلة المفاوضات تمهيداً لإقرار السلام بين البلدين، عادت طابا من جديد لتكون محل نزاع بين “الحق المصري والباطل الإسرائيلي”، وفق الرؤية المصرية. فبعد توقيع معاهدة السلام بين البلدين برعاية أميركية، في مارس 1979، والتي نصت في مادتها الأولى على أن تنسحب إسرائيل من سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، سعت إسرائيل لتوسيع الأقاليم التي تحيط بميناء إيلات على خليج العقبة، وبدأت في المراوغة في تسليم آخر مناطق سيناء “طابا” إلى مصر، ومن هنا بدأ خلاف حول الحدود خاصة عند علامة الحدود رقم 91 بمنطقة طابا.
وفى أكتوبر 1981، وعند تدقيق أعمدة الحدود الشرقية اكتشفت اللجنة المصرية بعض مخالفات إسرائيلية حول 13 علامة حدودية أخرى (من أصل 91) أرادت إسرائيل أن تدخلها ضمن أراضيها، وأعلنت مصر بأنها لن تتنازل أو تفرط في سنتيمتر واحد من أراضيها، وأن الحفاظ على وحدة التراب الوطني المصري هدف أساسي وركيزة لكل تحرك، بحسب تصريح للرئيس الأسبق حسني مبارك حينها.
وفى مارس 1982، وقبل شهر من الانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء، أعلن اللواء بحري محسن حمدي، رئيس الجانب العسكري المصري في اللجنة العسكرية المشتركة المشكلة لإتمام الانسحاب الإسرائيلي، أن هناك خلافاً بين الجانبين حول بعض النقاط الحدودية وخاصة العلامة “91”، وأثير النزاع مرة أخرى يوم إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في الـ25 من أبريل 1982. وقد سعت إسرائيل وقتئذ لتضليل الرأي العام المصري والعالمي، بالقول إن العلامات التي تم الاتفاق عليها في 1906 تم تعديلها في 1915 بواسطة توماس إدوارد لورانس الضابط البريطاني الذي كان له دور في الثورات العربية على الدولة العثمانية، كما يشير كذلك إلى ما قامت به إسرائيل من إزالة لمعالم العلامة 90 بعد أن تركتها في موقعها لإيهام مصر بأنها العلامة 91. وقد أخفت إسرائيل عن عمد ما قامت به من إزالة جزء من هضبة شرق وادى طابا سراً لتشق طريقاً يربط طابا بميناء إيلات على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع مصر، رغم علم مصر بقيام إسرائيل بشق هذا الطريق وببناء فندق هناك.
وتفعيلاً للمادة السابعة من اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، فإن أي خلاف بشأن تطبيق المعاهدة، يجب أن يتم حله عبر المفاوضات وقواعد القانون الدولي، حيث أقرت المادة أنه “في حالة عدم إمكانية حل هذه الخلافات عن طريق المفاوضات تحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم”. ونص الاتفاق المؤقت الذى وقّعه الطرفان في حينه على عدم قيام إسرائيل ببناء أي إنشاءات جديدة في المنطقة لحين فض النزاع، ورغم ذلك افتتحت إسرائيل فندق “سونستا طابا” في 15 نوفمبر 1982 وأعلنت عن بناء قرية سياحية، وهو ما مثـّـل انتهاكا للاتفاقية ومحاولة من الجانب الإسرائيلي بفرض سياسة الأمر الواقع في القضية.
وبعد فشل المفاوضات المباشرة بين الجانبين، صدر قرار من مجلس الوزراء المصري، في 13 مايو 1985، بتشكيل اللجنة القومية العليا لطابا ضمت كفاءات قانونية وتاريخية وجغرافية، منهم وحيد رأفت، نائب رئيس حزب الوفد، ومفيد شهاب، أستاذ القانون الدولي، والمؤرخ يونان لبيب رزق، فضلا عن عدد من الدبلوماسيين، على رأسهم نبيل العربي، وعدد من الخبراء العسكريين بينهم اللواء عبد الفتاح محسن مدير المساحة العسكرية آنذاك. حيث تحولت هذه اللجنة إلى هيئة الدفاع المصرية عن طابا في التحكيم الدولي، ونصت مشارطة التحكيم على أن المطلوب من المحكمة تقرير مواضع علامات الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب (في الفترة ما بين 1922 و1948)، وفق رواية لبيب رزق.
وكانت أهمية طابا بالنسبة للإسرائيليين تكمن في أنها “تلك الشرفة الصغيرة من الأرض المطلة على رأس خليج العقبة والممتدة على شاطئ طابا بين سلسلة الجبال الشرقية وربوة جرانيتية قليلة الارتفاع ملاصقة لمياه الخليج، وهي لهذا ذات أهمية بالغة لمدينة إيلات، حيث تعتبر “إيلات” أضيق جبهة إسرائيلية في المنطقة، والتي تطل على خليج العقبة فتمتد 5 أميال محصورة بين ميناء العقبة الأردني ووادي طابا المصري”. ولذا لم تكن فقط ترفض الانسحاب من طابا، بل كانت أيضاً ترفض اللجوء للتحكيم الدولي، وأنها سعت لأن يكون حسم مصير الخلاف حول طابا من خلال التفاوض الهادف للتوفيق، مشيراً إلى أن أحد المقترحات التي طرحت في هذا الشأن في إطار البحث عن التوفيق كان قبول إسرائيل الموقف المصري كاملاً حول طابا على أن تقوم مصر بالموافقة على تأجير طابا والفندق الذى كانت إسرائيل قد بنته عليها للحكومة الإسرائيلية لمدة 99 عاما، وهو الاقتراح الذى رفضته فوراً ودون الرجوع إلى القاهرة لأن مبدأ التأجير يتعارض مع سيادة مصر من جهة، وتخوفاً من الانزلاق إلى هاوية المساومة حول مدة التأجير بالرغم من الإغراء الظاهري بأن العرض ينطوي على الاعتراف بموقع العلامة المصرية.
واستمرت المفاوضات لأكثر من 4 سنوات ولصعوبة الوصول إلى حل للنزاع وبتدخل الولايات المتحدة، تم الاتفاق في 11 سبتمبر 1986 إلى اللجوء لهيئة تحكيم دولية تعقد في جنيف بسويسرا، حيث يحقق هدفين أساسيين أصر عليهما الجانب المصري ضمن مشارطة التحكيم، وهما أن تلتزم إسرائيل بالتحكيم وفق جدول زمني محدد بدقة، وأن تحدد مهمة المحكمة بدقة بحيث تكون مهمتها الوحيدة والمسندة إليها هي تثبيت الموقع الذي تراه صحيحاً، وترفض الموقع الذي اقترحه الطرف الآخر مع اعتبار الحكم نهائياً، يلزم تنفيذه دون تراجع.
جاءت الاستعادة بعد سنوات من التفاوض المباشر، الذى فشل ثم قاد إلى التحكيم الدولي، على مدار عامين قبل أن يعلن القاضي السويدي “جونار لاجرجرين”، رئيس هيئة التحكيم الدولي، حكمه التاريخي في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1989 بقاعة البرلمان بجنيف، بأغلبية ٤ أصوات واعتراض صوت وحيد (القاضية الإسرائيلية)، . وضمت هيئة التحكيم الدولية 5 أعضاء تمثلوا فى كل من: الدكتور حامد سلطان عن الجانب المصري، وعن إسرائيل روث لابيدوت، والثلاثة الآخرون هم: بيليه رئيس محكمة النقض الفرنسية السابق، وشندلر أستاذ القانون الدولي بسويسرا، ولاجرجرين رئيس محكمة ستوكهولم، وأعلنت المحكمة منطوق الحكم، أن وادي طابا بأكمله وبما عليه من إنشاءات سياحية ومدنية هي أرض مصرية خالصة.
و أثناء حضوره عمليات التحكيم الدولي بالمحكمة الدولية عندما سئل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير بعد الحكم: كيف تحضر التحكيم الدولي في قضية موقفكم فيها ضعيف وموقف مصر قوي جدا، رد قائلا: كنت أظن أن المصريين سيخطئون قانونيا أو يهملون القضية كالعادة، ولكن لم يحدث هذا، وبذلك نرى أن إسرائيل تكسب بعض المواقف لا عن شطارة، ولكنها تستفيد من أخطاء العرب.
وقامت الدبلوماسية القانونية المصرية بمعركة امتزجت بالنفس الطويل والحرفية والدقة الشديدة معتمدة علي حق مصر التاريخي ودماء الجنود التي سالت علي أرض الفيروز، وقدم الفريق القانوني والدبلوماسي جميع الحقائق التي تثبت حق مصر في طابا، مفندًا مزاعم إسرائيل التي حاولت طمس وتزييف التاريخ والجغرافيا لتثبت مصر قدرتها علي التفاوض واستعادة كل شبر من أراضيها سواء بالقوة العسكرية أو العقلية لفريقها القانوني وعلمائها وقوتها الدبلوماسية في بطولة سجلتها هيئة التحكيم الدولية بجنيف.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.