أمام المرآة. يُحكِم شد رابطة عنقه المرتخية, ترتعش يده وهو يضع الوردة الذابلة في طية صدر البدلة, تحسس موضع قلبه، اطمأن لصوت إنكسار ثنايا الورق المطبق في جيب سترته الداخليّ، أخرج الورقة من المظروف الأصفر الباهت، بسطها بين يداه، نظر للصورة المثبّته في ركن مرآة التسريحة أمامه.
يوم سفرك. سألتك. من في غربتك سوف يعقد لك رابطة عنقك؟ كم تمنيت أن تعود سريعًا. لا تخف لن أعنفك, كلنا ننتظرك، عد ولا تعر إهتمامًا للشامتين, لا تأبه لنظرات الناس، لا تندم، أدركُ الضغوط التي دفعتك إلى ذلك, ماذا تظن أني فاعلٌ بك؟ أني مُعاتبك؟ يا بني قلت لك ألف مرة “بلدك أفضل من غيرها”.
كنت دوماً أسمع ردودك التي لا إجابة لها، أعلم علم اليقين أن فقر الوطن غربة وغنى الغربة وطن, ولكن مهما بدت حلاوة الغُربة بعينيك، إلا انك تركت لنا مذاقاً مريراً يشق حناجرنا، أمك توسلت إليك كثيراً وحاولت أن تثنيك عن عزمك هذا، قلتُ لك “إبق معنا، وسوف تتحسن الظروف هناك حلول وبدائل أخرى غير الرحيل, لكني لا أملك أن أعدك بذلك”.
لا تخش على أمتعتك, غرفتك مهيأة لاستقبالك, فراشك يهفو لنومك القلق, قمصانك الباقية تأبى أن تترك رائحتك, حقيبة لعبك القديمة لا زالت تحتل مكانها فوق صِوان ملابسك، صوتك يرن بكل أرجاء البيت, عطرُكَ المفضل يطوف علينا كلّ ليلة, ويضع قبلة فوق الجبين.
يوم ميلادك. سجدت لله شاكراً, كنتُ أول من قبل جبينك ورتل الآيات والأذكار, وبعد أسبوع، صراخك كان أعلى من دقات (الهُون) وغناء الأطفال وهم يلتفون حول مهدك المزركش، ينظرون لعيناك المكتحلتان ويقبلون أكفك المحناه.
دعوات أمك هي التي أرجعتك إلينا سريعاً، عدت لديارك. لتبقى مع عشيرتك الأقربين، أختك تتشبث بدفتر صورك، قد أبرأتك من وعدك، لا تريد ثوباً إيطالياً ولا عطراً فرنسياً، فقط تريدك أن تعود.
اليوم أصر أصدقائك على مصاحبتي لإستقبالك، ولكني رفضت بشدة, لأني أحق الناس بك, ولن أسمح أن يشاركني أحد في أول ضمة صدر بعد عودتك، لأنك أعز الأصحاب في زمن الصعاب, ألا تعلم أني أول أصحابك وحامل أسرارك؟.
- على فكرة “جيرانك ما بطّلوش سؤال عنّك”.
كنت طير أردت الرحيل للشاطئ الآخر, ولكن أنهكك التعب, لم تقوّ جناحيك الصغيرين على السفر.
سقط من يده الخطاب, إنحنى وتناوله. شرد كأنه يقرأه لأول مرة.
“تتقدم السلطات المصرية لكم بخالص العزاء,
ونلتمس منكم الحضور باكراً؛ لاستلام جثمان نجلكم”


