بقلم: أسماء مصطفى الزهري
أفقتُ فزعةً، رفعت رأسي المثقل من على المسند الذى وضعته أمامي؛ كي أريح عليه كرة المضرب التى تحملها رقبتي، كلما ضربها الصداع وأرسلها لعالم اللاوعي، لم تجدِ الحبوب المسكنة ولا الشال الذى ربطت به شتات رأسي، لم يجدِ شيء، اشتدت نوبات الصداع ووجدت عيني المثقلتين تغمضان من جديد، ثم استسلمت لسطوة النوم مرة أخرى، وأنا قانعة بأن ما بى من مرض كفيل بأن يغلبني.
بعد مشاهد متقطعة من هلاوس غير منطقية، رفعت رأسي مجدداً من على مسندي الحنون، تمكنت هذه المرة من إدراك الأمر، أنا جالسة أمام الطاولة الخشبية التى تعاني من تشققات من أثر خربشات اِبْنَتِي وهي تدرس، ثبت كوعي الأيمن على الطاولة وبسطت كفي لأقعد عليه كرتي الأرضية التى لا تكف عن الدوران، بما فيها من عين مثقلة وأذنٍ مسدودة وجبهة متعرقة ومحمومة، وخارطة صفراء بالكامل، حملتها ما بي من عللٍ، حاولت التركيز أكثر، إذاً أنا فى انتظار اِبْنَتِي لأكتب معها الواجبات، لكن أين اِبْنَتِي؟ أين رزان؟ نظرت حولي وجدتني وحدي فى حجرتها أسند ظهري إلى سريرها، النور مطفأ والنافذة ترسل ما يمكنها من ضوء المغيب، وفي الجو سكون كالوحدة، سحبت إليّ دفتر الواجبات، ووجدت الحروف على الورقة تتراقص، تختفي وتظهر كالوميض، دعكت عيني بقلق، ثم مددت يدي إلى كوب الشاي الذي اعتقدت أنه سيعيد لرأسي اتزانه، لمست الكوب بكفي كمن يجس درجة حرارة مريض، وإذا به منخفض الحرارة، تساءلت: متى برد الشاي؟ فتحت هاتفي لأتبين الوقت، وإذا بالساعة السادسة، تساءلت مجددًا متى انقضى الوقت؟ نظرت حولي: أين رزان؟
لم أستطع النهوض للبحث عنها، فجسدي مهدود كفلاح يفلح فى حقل، وصوت مروحة السقف الدوارة يزيدني دواراً، لا سبيل لمناداتها سوى مناداتها, خفت من هذه اللحظة التى سأرفع فيها صوتي، لأن تفتتاً ما سيجتاح رأسي، وطرقاً سيدق فيها كالطبل، استجمعت أنفاسا مبعثرة داخلي، ورفعت رأسي كي ينتشر الصوت فى نواحي المنزل، وناديت بأقصى ما في رئتي من أنفاس: رزان.
وصل الدوي إلى أركان المنزل كلها، سمعت صوت أقدامها الصغيرة تركض نحوي، وقفت أمامي وفي عينيها نظرة خوف، قلت لها مستاءة: رزان لم تكتبي الواجب، أجابتني بقلق: لقد أنهينا المذاكرة يا أمي، وقد سمحتِ لي باللعب أنسيتِ؟ ثم بكت..
أجبتها بابتسامة قلقة: نعم، نعم يا حبيبتي أنا لم أنس، عانقتني وهي تقول: ستصبحين بخير يا أمي، أجبتها مطمئنة: نعم سأكون بخير.. ثم نمت مجدداً، بعد وقت لا أعرف تقديره، استيقظت فزعة: اِبْنَتِي لم تكتب الواجبَ.


