تقرير – سما الشافعي:
متخصصون: عزوف الطفل عن القراءة سببه تراجع التواصل بين الكاتب والطفل..
تطوير صحافة الطفل أهمية لمواكبة تطور العصر ..
ضرورة دراسة اهتمامات الطفل الحالي والتفاعل معه..
الطفل يهوى المغامرة ويحب أن يكون هو “الحدوتة”..
لا بدّ من دمج أطفال القدرات الخاصة في مغامرات مكتوبة
في ظل التطور التكنولوجي السريع الذي يمر به العالم ما زالت مجلات الأطفال، لها دور كبير في تشكيل وعي الشخصية الثقافية للطفل، وما زال الطفل يرتبط بالشخصيات المكتوبة ويتعايش معها في خياله، ولكن فئة كبيرة من أطفال هذا العصر قد تتوجه إلى الألعاب الإلكترونية بسبب عدم التواصل الحقيقي بين الكاتب والطفل بل عدم التفاعل معه، حيث كانت صحف ومجلات الأطفال تلعب دوراً مهماً فى تنشئة الطفل ثقافياً واجتماعياً، بل كانت شخصيته تتأثر بقراءة قصصه المفضلة، لأنها كانت وسيلة المعرفة الأولى للطفل من خلال أسئلته واستفساراته، ومحاولات الاستكشاف، واستخدام الخيال، وحب الاستطلاع، وذلك كان قبل عصر التكنولوجيا، ولأطفال القدرات الخاصة تفكير مختلف وكنوز عقلية لا بدّ لكاتب الطفل أن يستغلها بالطريقة التي تعود على المجتمع بالنفع.
ولصحافة الأطفال أنواع عديدة، منها أن تكون الصحيفة من صنع الأطفال أنفسهم، حيث يتعاونون في إخراجها وإعدادها ورسم الصفحات، وهذا هو النوع الذي يفضله مدرب وحكاء الطفل لأنه يهدف إلى تدريب الأطفال على الممارسة العملية للكتابة والتعبير عن أنفسهم ويستطيعون إشغال وقت فراغهم من خلالها، وهناك نوع آخر أكثر انتشاراً، ولكن لا يفضله مدرب الطفل وهو الصحافة التي يكتبها كبار الكتاب، لكنها غالباً لا تثير اهتمام الطفل كثيراً، ولا تشبع احتياجاته بسبب عدم التواصل بين الطفل والكاتب.
على الرغم من وجود بعض من المجلات المخصصة للطفل التي مازالت تصدر، فإنها أصبحت تتوزع بشكل قليل، بل وتتم طباعتها بشكل قليل بعد ظهور وسائل التثقيف الإلكترونية، ومع الانتشار السريع للتكنولوجيا أصبحنا نرى أطفالاً لم تتعدَّ أعمارهم عشر سنوات يملكون صفحات خاصة بهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وفى أوقات فراغهم تكون الهواتف المحمولة والهواتف اللوحية هي محل ألعابهم. وأصبحوا هم صانعي الخبر بل لا يهتمون بشأن الإصدار الورقي، على عكس الأجيال السابقة، حيث كانت تصدر مجلة “روضة المدارس” المصرية للطفل المصري، لأول مرة تحت رفاعة الطهطاوي عام 1870، بالمدارس ليصبح ضمن اهتمامات الأطفال وهذا ما يفتقده الطفل الآن لغياب دور وزارة التربية والتعليم عن الاهتمام بالنشاط المدرسي والذي إذا عاد مرة أخرى سيحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه ويعيد الطفل للقراءة مرة أخرى خوفاً من أن تنتهي التكنولوجيا ويصبح الطفل بلا مهارة، بل وتنشأ لديه ثقافة بعيدة عن الاعتماد على التكنولوجيا الزائلة.
وعلى الرغم من اندثار الصحافة الورقية في ظل انتشار وسائل التكنولوجيا،فإن مجلة “سمير” الشهيرة للأطفال ما زالت تصدر حتى الآن، حيث صدر العدد الأول منها فى 15 أبريل 1956 عن مؤسسة دار الهلال المصرية، وكانت قد اشتهرت بأنها قدمت بعض سلاسل الكوميكس لأول مرة باللغة العربية لتعتبر مجلة “سمير” هى رائدة فن المجلات المصورة فى العالم العربى، على الرغم من أنه قد سبقها بعض المجلات الأخرى في الوطن العربي كله، ولكن كان لمجلة “سمير” تأثير خاص على جميع الأطفال من معاصرى ذلك العصر، وأيضا مجلة “ميكي” التي تصدر أسبوعياً بترخيص من شركة والت ديزني، وتصدر بعدة لغات، ما زالت تصدر، حيث إن صدورها الأول كان في عام 1959 وغيرها من المجلات التي تواصل الصدور حتى الآن، ومن الممكن استغلال تلك الكنوز الورقية القديمة بتطويرها بشكل يجعل الطفل يتعايش معها، بل ويهوى المغامرة ويكون هو ” الحدوتة”.
قالت والدة عمرو، وهو طفل من أصحاب “متلازمة داون”: إن لطفل القدرات احتياجات نفسية يشبعها على الورق ومن خلال المجلات المطبوعة التي تنمِّي مهاراته وتحافظ على صحته من أثر التكنولوجيا، لأن الإصدار الورقي غالبا يلبي احتياج الطفل النفسي ويزرع بداخله ثقة المحيطين به من الأقرباء والجيران، وحاجته للاحتواء من خلال قصة مصورة مكتوبة لتخفيف العبء النفسي الناجم عن الإحباط والإحساس بالقصور بالذنب بل وحاجته للشعور بالأمن والطمأنينة، وحاجته لإثبات ذاته وتحقيق احترام الآخرين له، مؤكدة أن قراءة الكتب لها أثر طيب في نفوس الأطفال، خاصة التي تتحدث حول مشكلته ومتابعة البرامج في وسائل الإعلام، وتساعد صحافة الطفل في مواجهة الضغوط التي يتعرض لها الطفل دائماً.
وفي ذات السياق، تطالب الأم سالي سمير، إخصائية تغذية، بعودة اهتمام المجتمع مرة أخرى بالقدوة من خلال الشخصيات البطولية التي تظهر على الورق، خاصة أن الألعاب الإلكترونية أصبحت تحتوي على العنف وتجذب الأطفال وتبعدهم عن القراءة، وأن الأطفال أصبحوا يقتدون بأصحاب الفيديوهات الراقصة على السوشيال ميديا، معتبرة أن هذا ناقوس خطر يهدد بانقراض المهن القيمة والأحلام الإيجابية والقدوة، فضلاً عن صحتهم النفسية والعضوية التي قد تتأثر بالتعرض المستمر للتكنولوجيا، وأنها كأم لطفلين تتمنى تطوير الصحافة الورقية بما يتناسب مع عقل الطفل حاليا، بل وتتمنى إيجاد مجلة أو صحيفة أو مؤسسة لتشرك أطفالها بها ليمارسوا الكتابة والقراءة والحكي.
قال الدكتور محمد فتحي الروائي والكاتب الصحفي المتخصص في صحافة الطفل: إن مجلات الأطفال في العالم العربي تتراجع بشكل ملحوظ، وأن مصر لديها مسؤولية تاريخية وأخلاقية ووطنية فيما يتعلق بالصحافة الورقية التي لها تاريخ ومازالت تصدر ولم تتطور بعد، حيث يوجد في مصر مجلة تاريخية تسمى مجلة “سمير” صدرت في 15 أبريل عام 1956، وتقوم بطباعة نسخ معدودة ولا تلقى الدعم الذي تستحقه من قِبل القائمين عليها، على الرغم من أنها من الممكن أن تحقق مكاسب معقولة نسبيا ماديا لو تم تطويرها بما يتناسب مع طفل العصر الحالي.
اقتراحات وحلول لعودة اهتمام الطفل بالمجلات الورقية.. وأهمية دمج أصحاب القدرات الخاصة داخل الحكاية
أشار محمد فتحي إلى أن الاستثمار بالمستقبل لا بد أن يبدأ مع الأطفال الآن، ولولا وجود بعض المقاومة من بعض المجلات المحدودة في الوطن العربي، لما كان هناك صحافة طفل، مؤكدا أن من بين المجلات المقاومة للظروف مجلة ” قطر الندى” ومجلة “ماجد” ومجلة “نور”، على الرغم من أنها لا تحظى بأي تسويق أو أي دعم، وقد لا تكون مجلات محببة لدى الأطفال الآن، على الرغم من إصدارها بشكل جديد وممتع، ويكتب بها عدد من كبار الكتاب، ويرسم بها عدد من كبار الرسامين، مستنكرا الشائعات التي تروج بشأن الطفل بأنه أصبح لا يحب القراءة في عصر التكنولوجيا، مؤكدا أن هذا غير صحيح، ولكن الطفل يحتاج إلى تطوير في المادة الصحفية والأدبية المقدمة عن طريق تحويل المادة الأدبية إلى لعبة وأنه بهذا الفكر لن تندثر مجلات الأطفال.
قال الكاتب الصحفي المتخصص في أدب الطفل يعقوب الشاروني: إن أدب الطفل يرتبط بالتربية والاتجاهات المعاصرة في أدب الأطفال، ولا بد أن ينقل أدب الطفل وجهات النظر المختلفة للأطفال، حيث من الضروري إعداد جيل جديد من الاطفال في التأليف والخيال، وأن نشرح لهم الفرق بين أنواع الكتابة، مثل المواد الثقافية والتي تشمل القصة والقصيدة، والقصة المصوَّرة أو “السيناريو المصوَّر” والاستطلاع المصوَّر، وأن يتعلموا كيف تتم كتابة قصة تدور حول حضارة أو دولة، أو عن أحد البارعين في العلوم أو الآداب، وتشمل أيضاً التحقيقات واللقاءات والزيارات الخاصة، كما تشمل المنوَّعات الثقافية والعلمية، وأيضا وجود القصة المصوَّرة التي تحتوي على الشخصيات المتنوِّعة والمشاهد المبهرة، التي تحظى بإقبال كبير من قبل جموع الأطفال، ولذلك من الممكن أن تعود صحافة الطفل مرة أخرى كوسيلة مهمة يتلقى من خلالها الطفل الثقافة، ويُشبع حاجاته النفسية بما فيها الإمتاع والترفيه، من خلال معايشته في المغامرة وتعليمه الكتابة والتأليف بالوسائل التي تشجع الاطفال للتعرّف على الحكايات والمغامرات، بل ونعيدهم إلى القراءة والتفاؤل بالمستقبل، ولا بد على الأسرة أن تدرك ذلك جيدا لأن الخطر الأكبر الذي يواجه الطفل هو عدم اهتمام الأسرة بتوجيه الطفل لقراءة الصحف والمجلات والمعايشة على الورق.
وفي ذات السياق، قالت إخصائية التخاطب، هبة يسري والتي تعمل في مجال “الحكي” للأطفال ضعاف السمع ، إنها قارنت بين الصحف الإلكترونية والمطبوعة ووجدت أن أسباب عدم استمرار أغلب مطبوعات الطفل في الصدور هو عدم قدرة السوق على تحمل مثل هذه الإصدارات وارتفاع تكاليف الطباعة والإنتاج وأن معظم الأطفال أصبحوا يلجأون للتكنولوجيا لتلقي معلوماتهم منها، ولكن هناك طفلاً أصم وأبكم وكفيفاً مازال ينتظر إصدارا ورقيا يلبي احتياجاته، ولكنه لا يجد ويشعر بالتجاهل من قِبل القائمين على الصناعة، لذلك أرى أن تأسيس صحيفة عربية تخاطب الطفل سواء كانت أسبوعية أو شهرية ضرورة ملحة جدا وليست فرعيات، ولا بد من الاستعانة بالكتاب المتخصصين والأكاديميين في صناعة هذا المشروع العربي الضخم الذي سيعيد الطفل للقراءة مرة أخرى، وذلك من خلال التواصل بين الكاتب والمتلقي، بل وتواجد الكاتب في كل الأماكن المستهدفة الخاصة بالطفل.
قال الفنان كريم الحسيني، الذي قام ببطولة غالبية أعمال الكارتون الموجهة للطفل في مصر والعالم، منها ” السندباد ” و” بكار ” والذي تعاون مع الشركة المتحدة للخدمات في مسلسلات كارتون من إخراجه: إننا نتمنى عودة القراءة مرة أخرى، خاصة أننا في مصر ما زلنا بالفعل متصدرين في مجال الإبداع في الأعمال الفنية الموجهة للطفل، وأي تقصير اتجاه الطفل فهو حدث طارئ عابر، لأننا ملوك الدراما والأنميشن على الأقل في مجال الدوبلاج، وكنت أتمنى أن يكون هناك اتجاه نحو الاهتمام بالطفل وتذكرت ما كانت تفعله الدكتورة منى أبو النصر رحمة الله عليها، التي قامت بعمل السندباد المصري وبكار، وربما تكون صحافة الطفل مرضت ولكنها لن تموت وتحتاج إلى بعض التطوير وإمكانية التواصل والتفاعل مع الطفل من خلال ورش القراءة والحكي التي أصبح يهتم بها مدرب وكاتب الطفل حاليا، وأتمنى أن هذا يتم تطبيقه في كل مؤسسة صحفية مازالت تصدر حتى الآن ولا يكتفي الكاتب بالكتابة للطفل عن بعد.


