القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
تتهيّأ القاهرة لليالي طربٍ رصين تعود معها ذاكرة الذائقة العربية إلى ألقها، إذ تنطلق فعاليات النسخة الثالثة والثلاثين من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية في أكتوبر 2025، وقد وُضِعت كوكب الشرق «أم كلثوم» في قلب الهوية الفنية للدورة الجديدة، تزامنًا مع إعلان عام 2025 «عام أم كلثوم» في الثقافة المصرية. هذا التوجه أعلنته إدارة المهرجان بعد اجتماع اللجنة العليا بدار الأوبرا، مؤكدةً أن برنامج هذه الدورة سيجمع بين تكريم التراث وتقديم رؤى معاصرة، إلى جانب ندوات ودراسات نقدية تُعالج قضايا الموسيقى العربية اليوم. وبينما لا تزال تفاصيل الحفلات تتبلور، تثبّت دار الأوبرا المصرية الإطار العام للدورة على منصتها الرسمية، حيث خُصِّصت صفحة مستقلة لنسخة 2025 تتقدّمها ثلاث مسابقات رئيسية تُقام على هامش المهرجان، في امتدادٍ لهدفه الأصيل: اكتشاف المواهب وتغذية المشهد بمبدعين جدد. وكما جرت العادة، تمتد الفعاليات على مسارح الأوبرا في القاهرة، وتتسع لتشمل مسارح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية، وصولًا إلى مسرحي سيد درويش في الإسكندرية وأوبرا دمنهور، بما يضمن حضورًا جماهيريًا واسعًا ومشهدًا ثقافيًا عابرًا للمدن. المسابقات: بوابة المواهب إلى مسارح الأوبراتفتح الأوبرا باب التقديم لثلاث مسابقات حتى 30 سبتمبر: اثنتان تحملان اسم السوبرانو الراحلة رتيبة الحفني (فئة الشباب وفئة الأطفال)، وثالثة لـ التخت العربي. تشترط مسابقات رتيبة الحفني إرسال فيديو قصير يتضمن أداء عملٍ لأم كلثوم وآخر من اختيار المتسابق، مع رسوم تسجيل رمزية، فيما تُمنح جوائز مالية للفائزين تصل إلى 50 ألف جنيه للمركز الأول (فئة الشباب) و35 ألفًا (فئة الأطفال). أما مسابقة التخت فمفتوحة لفرقٍ من 5 إلى 7 عازفين تؤدي قالبًا عربيًا تقليديًا (سماعي أو لونجا) وقطعةً اختيارية، على أن تُقام التصفيات النهائية لجميع المسابقات بدار الأوبرا المصرية بين 16 و25 أكتوبر 2025. هذا التصميم لا يكتفي بتحويل المسابقات إلى ممرّ عبورٍ إلى منصات المهرجان، بل يجعل من عام «أم كلثوم» مختبرًا حيًّا لإعادة تقديم أعمالها في أصواتٍ شابة وتراكيب آلية جديدة. وهو ما أكدته إدارة المهرجان، التي أشارت إلى تكريم شخصيات مؤثرة في ميادين الموسيقى العربية، وإلى «تطويرات» تُعزّز مكانة الحدث كمنصة عربية رائدة تجمع نجوم الغناء وجيلًا صاعدًا تحت سقفٍ واحد، مع برنامجٍ علميٍّ موازٍ للحوار النقدي حول قضايا الحداثة الموسيقية. وبين الذاكرة والراهن، يتقدّم المهرجان باعتباره أكبر تظاهرة سنوية مكرّسة للموسيقى العربية في مصر، مستندًا إلى إرثٍ من العروض التي توزّعت تاريخيًا على مسارح الأوبرا ومرافقها في القاهرة، وامتدّت تقليديًا إلى الإسكندرية ودمنهور، بما يعكس رؤيةً ثقافيةً تُخرج الفن من مركزه إلى فضائه الأوسع. ومع انفتاح باب التقديم للمواهب داخل مصر وخارجها—مع توفير الإقامة والانتقالات للمتأهلين الأجانب—تبدو القاهرة قابلةً لأن تُنصت هذا الخريف إلى تنويعاتٍ جديدة على لحنها الأجمل. وها هي النسخة الـ33 تُعيد ترتيب علاقتنا بالتراث: لا بوصفه متحفًا مُغلَقًا، بل منصة مفتوحة للتأويل والإضافة. أن نُلزم الأصوات الشابة بأداءٍ لأم كلثوم ليس قيدًا، بل اختبارُ ذائقةٍ ومرونةٍ وقدرةٍ على حمل النمط إلى حاضرٍ مختلف. وأن نعيد التخت إلى الواجهة—بشروطه الصارمة ودقّته الأسلوبية—هو تذكيرٌ بأن الحداثة الموسيقية لا تُبنى من فراغ، بل من فهمٍ عميقٍ لقوالبنا الأولى. في أكتوبر، عندما تضاء خشبات الأوبرا، ستكون القاهرة قد هيّأت لنا امتحانًا صغيرًا في الإصغاء: كيف نسمع القديم وهو يولد من جديد؟


