القاهرة – نهاد شعبان:
في كل عام ومع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، تزدحم الأسواق بألوان الزينة وروائح الحلوى، وتتصدر عروسة المولد والحصان، مشهد الاحتفالات، بوصفهما رمزا متجذرا في وجدان المصريين، تلك العروسة المصنوعة من السكر، والحصان المزركش بالألوان، لم يكونا مجرد لعبة للهو الأطفال أو قطعة حلوى، بل تحولا إلى أيقونة شعبية تعكس حكاية ممتدة من مئات السنين، تكشف أبعادًا دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية أيضا.
يجمع المؤرخون على أن الاحتفال بالمولد النبوي في مصر بدأ في العصر الفاطمي، وتحديدًا في القرن الرابع الهجري، حين سعى الفاطميون إلى إحياء المناسبات الدينية الكبرى ومنحها طابعًا احتفاليًا مميزًا، وخلال هذه الحقبة ظهرت لأول مرة “حلاوة المولد”، ومنها “عروسة المولد” التي كانت تصنع من السكر المصبوب في قوالب خشبية على هيئة فتاة ترتدي فستانًا واسعًا ومزينة بالألوان.وتشير بعض الروايات إلى أن العروسة لم تكن مجرد رمز ديني، بل ارتبطت بطقوس اجتماعية؛ فقد كان يقدمها العريس لعروسه في هذه المناسبة كنوع من التعبير عن الحب، أما “الحصان”، فكان يُهدى إلى الأطفال الذكور، باعتباره رمزًا للشجاعة والقوة، ومن هنا بدأ تقليد شعبي راسخ لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
ومع مرور الزمن، ازدهرت صناعة العرائس والأحصنة السكرية في ورش القاهرة القديمة، خاصة في أحياء مثل باب الشعرية والغورية والسيدة زينب، وكانت الورش الصغيرة تنتج مئات القطع قبل المولد بأيام قليلة، لتعرض في الأسواق في مشهد أشبه بالكرنفال الشعبي.
وكانت أدوات الصناعة بسيطة للغاية مجرد أوانٍ لغلي السكر، وقوالب خشبية محفور عليها أشكال العروس والحصان، وألوان طبيعية للتزيين، ورغم بساطتها، كانت تُدخل البهجة في قلوب الكبار والصغار، وتمنح الاحتفال طابعًا خاصًا لا يُشبه أي مناسبة أخرى.
اختلاف الأسعار
قبل عقود، كان شراء عروسة المولد أو حصان السكر عادة متاحة لكل بيت، ففي بدايات القرن العشرين، كانت أسعارها لا تتجاوز قرشًا صاغًا أو قرشين بحسب الحجم، وبذلك كانت الأسر الفقيرة قادرة على إدخال الفرحة على أطفالها بأبسط التكاليف.ومع مرور الزمن، ارتفعت الأسعار تدريجيًا مع تطور الخامات وطرق التزيين، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت العروسة الكبيرة تباع بجنيه واحد تقريبًا، بينما تُعرض الأحجام الأصغر بخمسة قروش أو عشرة، هذه الأسعار ظلت في متناول أغلب العائلات المصرية حتى الثمانينيات.
أما في العصر الحالي، فقد شهدت العروسة والحصان تحولًا كبيرًا، ليس فقط في الشكل وإنما في السعر أيضًا، إذ لم تعد تصنع من السكر فقط، بل ظهرت نماذج من البلاستيك والخشب والفوم، مزينة بالأقمشة والأشرطة اللامعة، ومع ارتفاع أسعار الخامات وتكاليف الصناعة، قفزت الأسعار بشكل لافت، فالعروسة الصغيرة لم تعد تقل عن 300 جنيه، بينما تصل العرائس الكبيرة المزخرفة إلى أكثر من ألفي جنيه في بعض المحلات الراقية، أما الحصان، فباتت أسعاره مقاربة، ما جعل شراؤه حكرًا على الأسر المقتدرة، بينما تكتفي كثير من العائلات بشراء الحلوى التقليدية مثل السمسمية والحمصية والملبن.




