القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في زمن باتت فيه الشاشات رفيقاً دائماً للإنسان، من الهاتف المحمول إلى الحاسوب مروراً بالأجهزة الذكية، ظهر مصطلح جديد يعكس وجهاً خفياً للحياة المعاصرة: التوتر الرقمي.
إنه ذلك الشعور الخفي بالقلق والإنهاك الناتج عن الانغماس المستمر في العالم الرقمي، حيث لا يكاد الإنسان يفارق إشعاراته ورسائله ومكالماته حتى يعود إليها وكأنه مسحور.يشير خبراء الصحة النفسية إلى أن التوتر الرقمي لم يعد مجرد حالة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة عالمية تهدد التركيز والذاكرة والعلاقات الاجتماعية.
الدراسات تؤكد أن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات يزيد من معدلات القلق والاكتئاب، ويؤثر سلباً على جودة النوم، بينما يشعر المستخدمون بالذنب عند محاولة الانفصال عنها وكأنهم فقدوا جزءاً من عالمهم.الأخطر أن التوتر الرقمي لا يظهر فقط في بيئة العمل، بل يتسرب إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية. الموظف يتلقى بريداً إلكترونياً في منتصف الليل، فيشعر بضغط الاستجابة الفورية.
الطالب ينشغل برسائل مجموعات الدراسة حتى يفقد التركيز. وحتى العلاقات الأسرية لم تعد كما كانت، بعدما جلس كل فرد في صمت ممسكاً بهاتفه بدلاً من الحديث وجهاً لوجه.الأطباء النفسيون يحذرون من أن هذا التوتر قد يقود إلى ما يُعرف بـ الإرهاق الرقمي، وهو حالة من التعب العقلي والجسدي تجعل الإنسان فاقداً للحافز والإنتاجية.
ومن المفارقات أن الأدوات التي صُممت لتسهيل الحياة وزيادة الكفاءة، أصبحت سبباً في فقدان التوازن النفسي والاجتماعي.لكن الحل ليس في الهروب من التكنولوجيا، فهذا أمر شبه مستحيل في عالم اليوم، بل في تعلم إدارة العلاقة مع الشاشات. بعض المؤسسات بدأت تعتمد سياسات “الحق في الانفصال الرقمي”، أي منح الموظفين حرية تجاهل الرسائل الإلكترونية بعد ساعات العمل.
وهناك من ينصح بوقت محدد يومياً يُعرف بـ “الصيام الرقمي”، حيث يترك الفرد هاتفه جانباً ليمنح نفسه فرصة للتنفس والتأمل بعيداً عن الضوضاء الإلكترونية.كما أن العودة إلى الأنشطة الإنسانية البسيطة تُعد سلاحاً فعالاً في مواجهة التوتر الرقمي: قراءة كتاب ورقي بعيداً عن الشاشة، ممارسة رياضة خفيفة، أو حتى الجلوس مع العائلة بلا هواتف.
هذه اللحظات الصغيرة تعيد التوازن للإنسان وتمنحه شعوراً بالتحرر من أسر العالم الافتراضي.التوتر الرقمي ليس قدراً محتوماً، بل ناقوس خطر يدق أبواب العصر الحديث. هو دعوة لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع التكنولوجيا، لا لنرفضها، بل لنستخدمها بوعي يحافظ على إنسانيتنا. ففي النهاية، نحن من صنع الشاشات، فلا يجب أن نسمح لها بأن تصنعنا على صورتها.





