القاهرة – نهاد شعبان:
تعتبر مصر من أكثر الدول الإسلامية ارتباطا بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف، حيث تجتمع في هذه المناسبة أبعاد دينية وروحية واجتماعية وثقافية، تجعلها حدثًا استثنائيًا في وجدان المصريين، وبين كل المقامات والمزارات التي تشهد إحياء هذه الذكرى، يظل مسجد ومقام السيدة زينب بالقاهرة مركزا رئيسيا للاحتفال، حيث تفيض الأجواء بالذكر والدعاء وتنتشر الحلوى ويعم الفرح والروحانية.
وفي رحاب السيدة زينب، يبدأ الاحتفال قبل أيام من ذكرى المولد النبوي، لكن ذروته تأتي فيما يعرف بالليلة الكبيرة، حيث يحتشد الآلاف من مختلف المحافظات، وتتعالى أصوات الابتهالات والمدائح النبوية التي ترددها الطرق الصوفية والمحبون، منها يا نبي سلام عليك، ومدد يا رسول الله، هذه الأناشيد تقال في حلقات الذكر، حيث يجلس المريدون في دوائر تتوسطها الطبول والدفوف، ويهزون رؤوسهم طربًا وخشوعًا.
ولا يقتصر الأمر على الذكر الجماعي، بل يتحول المكان إلى ساحة للتقرب والدعاء، حيث يتوجه الزوار إلى المقام يرفعون أيديهم بالابتهال، طالبين الرحمة والبركة وقضاء الحاجات، ويعتبر الكثيرون أن الوجود في حضرة السيدة زينب خلال المولد فرصة روحية عظيمة للتقرب من الله عز وجل، والتعبير عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته.
وبجانب الأجواء الروحانية، تكتسي شوارع ومحيط مسجد السيدة زينب بوجه شعبي كرنفالي، حيث تنتشر الخيام الاحتفالية المزينة بالفوانيس والأضواء، وتقام أسواق صغيرة تعرض حلوى المولد الشهيرة، وتعد عروسة المولد المصنوعة من السكر الملون أبرز هذه الحلويات، يزينها الأطفال وتهدى للبنات، بينما حصان المولد يهدى للصبية، في تقليد ضارب بجذوره في مصر منذ العصر الفاطمي.
وتتنوع الحلوى الأخرى مثل السمسمية، الحمصية، الملبن، والفولية، التي أصبحت مرتبطة وجدانيا بذاكرة المصريين في هذه المناسبة، هذه الحلوى ليست مجرد طعام، بل رمز للتشارك والمحبة بين الأسر، حيث يحرص الجميع على شرائها وتوزيعها على الأهل والجيران والأطفال.
ولا يقتصر الاحتفال بالمولد في السيدة زينب على الذكر والحلوى، بل يحمل أيضا بعدا اجتماعيا وإنسانيا مهما، ففي هذه الليلة، يحرص الكثير من الأهالي على توزيع الطعام على الزوار والفقراء، وتنتشر موائد الطعام في الساحات المحيطة، حيث يقدم أهل الخير أطباق الأرز واللحوم والحلوى للوافدين، ابتغاءً للثواب.
كما يعتبر الدعاء عند المقام الشريف عادة أساسية، حيث يقف الزائرون يضعون أيديهم على الشباك الفضي، يتلون الأدعية، ويشعرون بالطمأنينة والسكينة، وهذا المزج بين العبادة والعطاء الاجتماعي يعكس روح المناسبة التي تجمع بين محبة النبي صلى الله عليه وسلم والتراحم بين الناس.
ويعود الاحتفال بالمولد النبوي في مصر إلى العصر الفاطمي في القرن الرابع الهجري، حيث كان الحكام يشجعون إقامة الاحتفالات الشعبية والدينية، ومع مرور الزمن، ترسخت هذه العادة حتى أصبحت جزء من الهوية المصرية، وبما أن مقام السيدة زينب أحد أهم مقامات آل البيت في القاهرة، ما جعله محورا لهذه الاحتفالات، إذ يقصده المريدون من شتى أنحاء مصر طلبا للبركة.




