dhl
dhl

“فيكتور”.. العامل المجهول في ملحمة السد العالي

القاهرة – نهاد شعبان:

في ستينيات القرن الماضي، حينما كانت مصر تخوض واحدة من أعظم معاركها التنموية لبناء السد العالي في أسوان، كان المشهد مليئا بالمهندسين المصريين، والعمال البسطاء، والكوادر السوفيتية التي جاءت لدعم المشروع، لكن وسط هذا الزخم التاريخي، برز اسم فيكتور كأحد الجنود المجهولين الذين لم يتصدروا العناوين، لكنه ترك أثرا لا يمحى في هذه الملحمة العملاقة.

“فيكتور” لم يكن سياسيًا ولا قائدًا عسكريًا، بل مهندسًا سوفيتيا شابا جاء إلى مصر في بعثة علمية ضمن مئات الخبراء الذين أرسلتهم موسكو لدعم القاهرة في مشروعها القومي، جاء فيكتور إلى أسوان بوجه بشوش وروح متواضعة، بعيدا عن الأضواء، ليعمل جنبا إلى جنب مع العمال المصريين في الصحراء القاسية تحت شمس الجنوب الحارقة

.السد العالي لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل وصف بمعجزة القرن العشرين، حيث كان هدفه واضحا وهو حماية مصر من فيضان النيل المدمر في سنوات الفيضان العالي، وتأمين المياه في سنوات الجفاف، وتوليد الكهرباء التي كانت حلمًا بعيد المنال للملايين من المصريين، وشارك في بناء السد العالي أكثر من 35 ألف عامل ومهندس مصري، إلى جانب نحو 2000 خبير سوفيتي، كان من بينهم فيكتور، الذي تولى مع زملائه مهمة تصميم الأنفاق الجانبية وأجهزة التحكم في تدفق المياه، وهي مهام شديدة الحساسية، إذ أن أي خطأ قد يُهدد المشروع كله.

يحكي بعض العمال القدامى أن فيكتور كان يرفض الجلوس في المكاتب المكيفة التي خصصت للخبراء، ويفضل النزول إلى مواقع العمل بين العمال المصريين، كان يشاركهم الطعام من “العيش البلدي والفول”، ويضحك حين يخطئ في نطق كلمة عربية، حيث يقول الحاج عبد الرحمن عيد، أحد عمال السد القدامى:” كنا بنشوفه واقف تحت الشمس زينا، ماسك القلم والورق، يرسم ويشرح، ساعات يرفع الطوب بنفسه عشان يورينا إزاي نحط القوالب، كان بيحب مصر وبيحبنا، وأول مرة في حياتنا نشوف خواجة مش متكبر”.

وروى الحاج عبد الرحمن قصة مؤثرة عن فيكتور حين انهار جزء من السقالة المعدنية أثناء العمل، فاندفع لمساعدة العمال العالقين، متعرضًا لإصابة في ذراعه، ورغم ذلك، رفض السفر للعلاج في موسكو، وأصر على استكمال عمله في أسوان حتى تماثل للشفاء، وكان يردد دوما “إذا كان العامل المصري يضحي بنفسه من أجل هذا المشروع، فكيف أتركه وأرحل؟”.

كما تذكر بعض السيدات في أسوان أن فيكتور كان يساعد الأطفال على تعلم بعض الكلمات الروسية، ويشارك في حفلات البسطاء، ويرتدي الجلباب أحيانًا في المناسبات، وصار رمزا للألفة والود، حتى أطلق عليه الأهالي لقب”الخواجة المصري”، وفي عام 1970 اكتمل بناء السد العالي وافتُتح رسميًا بحضور الرئيس جمال عبد الناصر وقادة من الاتحاد السوفيتي، وبعد سنوات، غادر فيكتور مصر عائدًا إلى بلاده، لكنه ترك وراءه قصصًا وحكايات ما زال يتداولها العمال وأهل أسوان حتى اليوم.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.