dhl
dhl

طفلة بريئة تسقط ضحية تعنت إداري… والقطاع الخاص في قفص الاتهام

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في قلب شركة نايل لينين جروب بالإسكندرية ، حدثت فاجعة إنسانية هزّت وجدان كل من سمعها، وفضحت جانبًا مظلمًا من واقع العمال في القطاع الخاص. البطلة المكلومة هي العاملة دعاء، أم لطفلة رضيعة لم يتجاوز عمرها أربعة أشهر. في لحظة مفاجئة، مرضت الطفلة الصغيرة، وأخذت أنفاسها تضيق، فاستجمعت الأم ما بداخلها من قلق وخوف، وتقدمت إلى مديرتها المسماة انتصار، تستجديها أن تمنحها تصريحًا بالخروج العاجل لإنقاذ حياة صغيرتها. توسلات انسكبت بالدموع، ورجاء يتخلله صراخ الأم الملهوفة، لكن الرد كان قاسيًا وباردًا، رفض لا يعرف للإنسانية طريقًا، وتعنت لم يلن أمام دموع أم ولا أنفاس طفلة تحتضر.في لحظات ثقيلة، سقطت الرضيعة بين يدي أمها شهيدة القسوة والإهمال، لفظت أنفاسها الأخيرة داخل أسوار الشركة، بينما الجميع شهود على مأساة ستبقى عالقة في الذاكرة. هرعت الأم بعد ذلك إلى المستشفى، لعل القدر يمنحها بقايا أمل، غير أن الموت سبقها، وفارقت الصغيرة الحياة، لتبقى القصة جرحًا غائرًا في قلب كل عامل وعاملة.منذ تلك اللحظة، لم يعد في قلوب العمال مكان للخوف أو الصمت، فتوقف العمل تضامنًا مع زميلتهم، وأعلنوا أن ما حدث ليس مأساة فردية تخص أمًّا فقدت ابنتها، بل قضية عامة تخص كل عامل يواجه الظلم في صمت.

رفعوا أصواتهم بمطالب واضحة وصريحة: محاسبة المسؤولين عن هذه الكارثة الإنسانية التي انتهكت كل القوانين والأعراف، وتطبيق قانون العمل الجديد بكل مواده التي تضمن كرامة العامل وصون حقوقه، وتفعيل الحد الأدنى للأجور الذي أقرّته الدولة، واسترداد الحقوق الضائعة التي طالما سلبت من عمال الشركة دون وجه حق.القانون المصري لم يترك الأمر دون حماية، فقد نصّ في مواده على حقوق أساسية للعمال لا تحتمل التأويل. المادة خمسون من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 تؤكد حق العامل في إجازة طارئة مدفوعة الأجر متى استلزم الأمر، والمادة أربعة وخمسون تُلزم المنشآت بمراعاة البعد الإنساني في إدارة العمل وحماية كرامة العمال. كما أنّ النصوص المتعلقة بحقوق الأم العاملة واضحة لا لبس فيها، إذ تكفل لها الدولة حق إجازة لرعاية طفلها وتوفير ظروف إنسانية مناسبة لأداء عملها دون تعارض مع واجباتها الأسرية. هذه المأساة لا يمكن النظر إليها كحادث عرضي، بل هي انعكاس لواقع أليم يعيشه آلاف العمال في القطاع الخاص، حيث تغيب الرقابة، وتُدهس الحقوق، ويُعامل الإنسان كأداة للإنتاج بلا كرامة ولا إنسانية. لقد كانت الطفلة البريئة صوتًا صامتًا يصرخ بما يعجز الكبار عن قوله، واليوم رحلت، لكن رحيلها أيقظ ضمير العمال ودفعهم إلى رفض الاستمرار تحت وطأة القهر؛ فبعد هذه الكارثة الإنسانية، لم يعد بوسع العمال الصمت أو الاحتماء بالخوف، فاشتعلت داخل الشركة روح الغضب، وقرر الجميع وقف العمل بشكل كامل تضامنًا مع زميلتهم المكلومة ودفاعًا عن حقها وحق صغيرتها.

لم يكن الإضراب مجرد رد فعل عاطفي، بل كان موقفًا واعيًا عبّر عن وحدة الصف وإصرار العمال على استرداد حقوقهم. رفعوا أصواتهم بمطالب مشروعة لا تحتمل التأجيل، أولها محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة التي انتهكت أبسط قواعد الإنسانية، ثم إلزام الشركة بتطبيق نصوص قانون العمل الجديد الذي يضمن كرامة العامل وحمايته، وتفعيل الحد الأدنى للأجور المقرر من الدولة بلا استثناء، واسترداد الحقوق الضائعة التي سُلبت لسنوات في غياب الرقابة والعدالة. لقد أعلن العمال أن هذه المأساة لن تمر مرور الكرام، وأن دموع طفلة بريئة يجب أن تتحول إلى بداية عهد جديد تُصان فيه حقوق الكادحين، ويُحترم فيه القانون قولًا وفعلًا.إن ما جرى يضعنا جميعًا أمام أسئلة قاسية: كيف يمكن لطفلة أن تفارق الحياة داخل مصنع لأنها لم تُمنح دقائق قليلة من الرحمة؟ كيف يمكن للقوانين أن تُكتب وتُقرّ، بينما تُداس يوميًا تحت أقدام أصحاب المصالح؟ كيف تتحول المصانع التي يفترض أن تكون مصدر رزق وكرامة إلى مقابر للأحلام والأرواح؟إن دموع دعاء، وصمت صغيرتها، وإضراب العمال جميعًا، رسالة قوية إلى المجتمع والدولة بأن السكوت لم يعد ممكنًا، وأن العدالة يجب أن تُسترد، لا بالكلمات وحدها، بل بمحاسبة صارمة لكل مسؤول تجرد من إنسانيته، وبفرض رقابة حقيقية على مؤسسات القطاع الخاص، ليبقى العمل مصدرًا للكرامة لا ساحةً للموت.هذه ليست مأساة دعاء وحدها، بل صرخة عمال مصر جميعًا، صرخة تختلط فيها دموع الأمهات بعرق الكادحين، لتقول بوضوح: آن الأوان أن يُصان العامل، آن الأوان أن تُطبق القوانين بصرامة، آن الأوان أن يكون الحق أقوى من القسوة، وأن تبقى حياة الإنسان أغلى من أي مصلحة مادية عابرة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.