القاهرة – نهاد شعبان:
لم يعد البحث عن شريك الحياة مقتصرا على دوائر العائلة والأصدقاء أو أماكن الدراسة والعمل كما كان في السابق، فقد أحدثت ثورة الإنترنت تحولا جذريا في طرق التعارف، ليصبح الزواج عبر المواقع الإلكترونية وتطبيقات التواصل الاجتماعي وسيلة شائعة بين الشباب والفتيات في مصر والعالم العربي، لكن وسط هذا الانفتاح الرقمي، يظل السؤال مطروحا هل يمثل الزواج عبر الإنترنت فرصة حقيقية لبناء أسرة، أم أنه مجرد فخ يستغل للنصب والاحتيال؟.ومع الانتشار الواسع لاستخدام الهواتف الذكية، ظهرت مئات المواقع والتطبيقات المخصصة للتعارف بغرض الزواج، بعضها يحمل طابعا دينيا يركز على الجدية والالتزام، فيما يتسم البعض الآخر بطابع اجتماعي عام، وتشير الإحصاءات الدولية إلى أن أكثر من 30% من الزيجات في بعض الدول الغربية بدأت من خلال الإنترنت، بينما يظل الأمر في العالم العربي بين مد وجزر، إذ يتباين بين تجارب ناجحة وأخرى محملة بالمخاطر.قالت “نورا”، 29 عاما، لـ “وكالة الإعلام العربية” إنها تعرفت على زوجها الحالي عبر أحد التطبيقات الشهيرة، وبعد شهور من التواصل قررا أن يلتقيا بحضور أسرتهما، لتتطور العلاقة إلى زواج رسمي ناجح، قائلة:” لولا الإنترنت، مكانش ممكن نقابل بعض، لأنه من مدينة بعيدة عني، لكن الجدية والشفافية خلت العلاقة تستمر”، وعلى الجانب الآخر، تحكي “مريم”، 27 عامًا، أنها تعرضت لمحاولة نصب بعد أن وثقت في شاب تعرفت عليه عبر الإنترنت، وأرسل لها صورا مزيفة عن عمله وحياته، حتى اكتشفت أنه متزوج ويبحث فقط عن علاقة مؤقتة، قائلة:” الصدمة كانت قوية، ومن وقتها بطلت أثق في أي حد أعرفه على السوشيال ميديا”.
في السياق ذاته، يرى الدكتور حسام عبد القادر، أستاذ علم الاجتماع، أن الزواج عبر الإنترنت يمثل امتدادا طبيعيا لعصر التكنولوجيا، لكنه يحتاج إلى ضوابط، قائلاً إن:” النجاح أو الفشل هنا لا يرتبط بالوسيلة، بل بمدى صدق وشفافية الطرفين، وبمدى تدخل الأسرة لضمان الجدية، الإنترنت مجرد وسيلة تعريف، لكن القرار النهائي يجب أن يمر عبر الطرق التقليدية من مقابلات عائلية وخطوبة واضحة”، مضيفًا أن هناك جيلا كاملا أصبح أكثر انفتاحا على هذه الوسيلة، خاصة مع ضيق الوقت وانشغال الشباب في الدراسة والعمل، مشيرا إلى أن رفض الارتباط علر الإنترنت تماما قد يكون غير واقعي، لكن قبوله بلا ضوابط خطر كبير.من الناحية القانونية، يشير المحامي أحمد شرف الدين، إلى أن الزواج عبر الإنترنت لا يعد زواجا رسميا ما لم يوثق في الجهات المختصة، قائلاً:” أي ارتباط أو عقد يتم عبر الإنترنت لا قيمة قانونية له، إلا إذا توافرت فيه الشروط الشرعية والمدنية وتم توثيقه رسميا، المشكلة أن بعض الشباب يقعون في فخ ما يسمى الزواج العرفي الإلكتروني، وهو في الحقيقة لا يُعترف به ويعرض الفتاة لمشاكل جسيمة”، محذرًا من تزايد قضايا النصب المرتبطة بهذه الظاهرة، إذ يستخدم البعض أسماء وصورا وهمية للإيقاع بالضحايا، سواء لأغراض مالية أو أخلاقية، والحل هو التحقق من هوية الطرف الآخر وعدم الدخول في أي ارتباط إلا من خلال الطرق القانونية المعروفة”.ومن جانبها، ترى الدكتورة هالة بدوي، استشارية العلاقات الأسرية، أن الإنترنت قد يوفر فرصا للتعارف لكنه يفتقد عنصر المعايشة الواقعية، مضيفة أن:” التواصل عبر الرسائل والفيديو لا يكشف كل شيء عن شخصية الطرف الآخر، وهناك الكثير من التفاصيل لا تظهر إلا عبر التعامل المباشر، لذلك، نسبة المخاطرة أعلى إذا لم يتحول التعارف سريعا إلى لقاءات حقيقية تحت إشراف الأسرة”، مشيرة إلى أن الاعتماد الكامل على الإنترنت قد يخلق صورة مثالية غير واقعية عن الشريك، ما يؤدي إلى صدمات بعد الزواج.





