القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا بخطى غير مسبوقة، لم تعد الموضة مقتصرة على القماش والخيط والمقص، بل انتقلت إلى فضاء جديد تماماً؛ فضاء رقمي تتداخل فيه تقنيات التصميم الثلاثي الأبعاد، والواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي. ما يُعرف اليوم بـ”الموضة الرقمية” لم يعد مجرد اتجاه تجريبي، بل تحوّل إلى صناعة قائمة بذاتها، تجذب ملايين الشباب حول العالم، وتعيد تعريف معنى اقتناء الملابس وارتدائها.لم يعد من الضروري شراء قطعة فاخرة من متجر عالمي لعرضها في المناسبات، بل يكفي أن تقتني نسخة رقمية منها تُلبسها لشخصيتك الافتراضية على منصات التواصل أو في عوالم “الميتافيرس”. هذه الظاهرة أوجدت اقتصاداً جديداً يقدّر بمليارات الدولارات، حيث يشتري المستخدمون ملابس افتراضية لا وجود مادياً لها، لكنها تحقق لهم حضوراً رقمياً يعكس ذوقهم وهويتهم أمام ملايين المتابعين.تتميّز الموضة الرقمية بقدرتها على كسر القيود التقليدية؛ فالمصمم لم يعد محكوماً بخامات باهظة أو عمليات تصنيع معقدة، بل صار قادراً على ابتكار أزياء تتحدى قوانين الفيزياء نفسها؛ فساتين تضيء بألوان متغيّرة، وبدلات تتبدل أشكالها في ثوانٍ، وأحذية يمكنها التحليق في الفضاء الافتراضي.
هذه الحرية المطلقة في الإبداع جعلت الموضة الرقمية منصة لإطلاق خيال غير محدود، يجذب كبار المصممين مثلما يجذب الشباب الهواة.لكن المسألة ليست مجرد ترف جمالي، بل تحمل أبعاداً بيئية واقتصادية عميقة. فصناعة الأزياء التقليدية تُعد واحدة من أكثر الصناعات إضراراً بالبيئة، نتيجة كثافة استخدام المياه والطاقة وإنتاج النفايات. في المقابل، توفر الموضة الرقمية بديلاً صديقاً للبيئة، يتيح للمستهلك التعبير عن نفسه دون تحميل الكوكب أعباء إضافية. بل إن بعض العلامات التجارية العالمية بدأت تمزج بين الموضة التقليدية والرقمية، فتُطلق مجموعة واقعية إلى جانب نسخة رقمية موازية تُباع عبر منصات متخصصة.الأمر اللافت أن الموضة الرقمية لم تعد حِكراً على النخبة، بل انتشرت بقوة بين الشباب العربي أيضاً. فقد ظهرت مبادرات لمصممين رقميين في القاهرة، بيروت، والرياض، يوظفون أدوات التصميم ثلاثي الأبعاد لإنشاء مجموعات رقمية تعرض على إنستغرام وتيك توك، محققين نسب مشاهدة ومتابعة ضخمة. هذه النقلة تُبشّر بفتح مجالات عمل جديدة، وتمكين شباب المنطقة من دخول صناعة عالمية دون الحاجة إلى رأس مال ضخم.من ناحية أخرى، يشير خبراء التكنولوجيا إلى أن هذه الثورة ستتعمق مع انتشار الذكاء الاصطناعي القادر على تصميم أزياء كاملة بناءً على شخصية الفرد، ودمجها في تجاربه الافتراضية. فالموضة الرقمية ليست فقط ملابس تُرتدى على الشاشة، بل هي لغة جديدة للتعبير عن الهوية في عالم تتحول فيه العلاقات تدريجياً إلى فضاء افتراضي واسع.إن “ثورة الموضة الرقمية” ليست مجرد موجة عابرة، بل هي تحوّل جذري في طريقة نظرنا إلى الملابس والفن والهوية. إنها إعلان عن عصر جديد تصبح فيه الأزياء جزءاً من الحوار بين الإنسان والتكنولوجيا، بين الواقع والافتراض، بين الحاجة والخيال. وربما يأتي اليوم الذي تصبح فيه خزانة ملابسنا الافتراضية أغنى وأكثر حضوراً من تلك التي نحتفظ بها في غرفنا الواقعية.




