القاهرة – نهاد شعبان:
منذ وقت طويل كان التحرش الجنسي من القضايا المسكوت عنها في مصر والمجتمعات العربية ككل، حيث تحكمت الثقافة المحافظة والخوف من الوصمة الاجتماعية في سكوت الضحايا عن حقهن، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولات كبيرة، حيث تحولت الدراما، كإحدى أدوات القوة الناعمة، إلى ساحة مواجهة وفتحت النقاش العام حول هذه الظاهرة، فقديما كان التطرق إلى التحرش الجنسي في الأعمال الفنية أشبه بالمحرمات، ونادرا ما يذكر الموضوع، وإن ذكر فبصورة سطحية أو ساخرة، إلا أن موجة جديدة من الدراما المصرية والعربية كسرت هذا الحاجز، وقدمت قصصا واقعية سلطت الضوء على معاناة النساء في الشوارع وأماكن العمل والجامعات.
هناك العديد من المسلسلات المصرية التي تحدثت عن ظاهرة التحرش سواء بالأطفال أو النساء وانتشارها في المجتمع، من بينها مسلسلات مثل لام شمسية، سوتس بالعربي، صوت وصورة، وفيلم 678 وغيرها الكثير، حيث جسدت تلك الأعمال تجارب حقيقية لهزيمة الخوف، ومنحت الضحايا مساحة رمزية لرفع أصواتهم، وهذه الأعمال لم تكتف بعرض المأساة، بل طرحت أسئلة شجاعة عن القوانين، ومسئولية المجتمع، والدور المطلوب من مؤسسات الدولة، حيث يرى النقاد أن تأثير الدراما في مناقشة قضايا التحرش لا يقل أهمية عن التشريعات أو الحملات الرسمية، حيث أنها تصل إلى شرائح واسعة من الجمهور، بلغة قريبة من الواقع، وتغرس رسائلها عبر شخصيات يتعاطف معها المشاهد.
وبالفعل، بعد عرض بعض الأعمال التي تناولت التحرش، لوحظ نشاط متزايد على مواقع التواصل الاجتماعي للنقاش حول الظاهرة، وتداول أرقام خطوط النجدة، وارتفاع نسب البلاغات الرسمية في بعض الفترات، ويعد من أبرز الإضافات التي قدمتها الدراما هي تحدي خطاب لوم الضحية، ففي الكثير من المجتمعات، ما زال ينظر إلى الفتاة باعتبارها المسئولة عن تعرضها للتحرش، سواء بسبب ملابسها أو سلوكها، ولكن الدراما عكست هذه العقلية، وواجهتها مباشرة عبر شخصيات تعبر عن الرفض لهذا المنطق، ففي بعض المسلسلات دائمًا ما يظهر مشهد لمواجهة بين فتاة وأسرتها حين يرفضون مساعدتها خوفا من الفضيحة، لتصر على مقاضاة المتحرش، وهذا النوع من المشاهد يزرع في وعي الجمهور أن الضحية ليست مسئولة، وأن السكوت يعني استمرار الجريمة.
من جانبها تشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 70% من النساء في مصر يتعرضن لشكل من أشكال التحرش، لكن هذه الأرقام تظل مجرد بيانات صماء، أما الدراما فأعطت لهذه الأرقام وجوها، وأسماء، وحكايات مؤلمة، جعلت الظاهرة أكثر قربا من الناس، حيث تقول تقول “س.م”، طالبة جامعية – رفضت ذكر اسمها-:” كنت أسمع عن قضايا التحرش، لكني لم أدرك حجمها إلا عندما شاهدت إحدى الشخصيات في مسلسل تمر بتجربة مشابهة لما عشته، وحينها شعرت أنني لست وحدي”، مضيفة لـ”وكالة الإعلام العربية”،:” بدأت بعدها في مواجهة المشكلة والإعلان عنها بدون أي خوف من الأسرة أو المجتمع وتحسنت حالتي النفسية بشكل كبير بعد ذلك خاصة بعد أن نال المتحرش عقاب ما فعله”.ولا تكتف الدراما بالتأثير الاجتماعي فقط، بل قد تسهم في الدفع نحو إصلاحات قانونية في مصر، فعلى سبيل المثال، جاء تغليظ عقوبة التحرش في 2014 في ظل تزايد الجدل المجتمعي والإعلامي حول القضية، وهو جدل لعبت الأعمال الفنية دورا كبيرا في إظهاره للرأي العام والمجتمع ككل، كما أن بعض مشاهد المحاكمات التي عرضتها الدراما ساعدت الجمهور على فهم مسارات العدالة، ورسخت فكرة أن المتحرش يمكن أن يحاسب أمام القانون، لا أن يظل طليقا بلا عقاب.




