dhl
dhl

صوت المرأة في السينما المستقلة المصرية: حين تتحوّل الكاميرا إلى أداة مقاومة وإبداع

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

منذ سنوات قليلة، أخذت السينما المستقلة في مصر منحى مختلفًا، إذ لم تعد مجرد مساحة للتجريب أو صناعة “أفلام مهرجانات”، بل تحولت إلى صوت يعبّر عن شريحة واسعة من المجتمع، ويسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها. وفي قلب هذه الموجة، برزت المخرجات المصريات الشابات كقوة حقيقية، جعلت من السينما المستقلة منبرًا نسويًا يعيد رسم صورة المرأة بعيدًا عن القوالب النمطية التي سيطرت على الشاشة لعقود.لقد شكّل ظهور مخرجات مثل هالة لطفي بفيلمها الخروج للنهار (2012) بداية مرحلة جديدة، حيث قدّمت حكاية امرأة عادية تعيش في الهامش، بلغة بصرية شاعرية واقعية. تبعتها أيتن أمين بفيلم فيلا 69 (2013) وبأعمالها الوثائقية والقصيرة التي اقتربت من موضوعات المرأة والشباب. كما قدّمت نادين خان فيلم هرج ومرج (2012) الذي رصد عبثية العلاقات الإنسانية داخل مجتمع عشوائي، مستخدمة لغة سينمائية جريئة، مختلفة عن السائد.في السنوات الأخيرة، صعدت أسماء جديدة مثل سارة الشاذلي بفيلمها أميرة (2021) الذي أثار جدلًا واسعًا حول الهوية والاحتلال والقضية الفلسطينية، رغم أنه واجه انتقادات حادة أدت إلى سحبه من الترشيحات. كما قدمت سارة الشاذلي أيضًا الفيلم الوثائقي الاستماع إلى الحجر (2020) الذي شارك في مهرجانات دولية. وهناك أيضًا هالة جلال التي ركزت في أفلامها الوثائقية على قضايا المرأة والحرية الشخصية، مثل فيلم أنا والأجندة.ولم تقتصر المخرجات على الأفلام الروائية أو الوثائقية الطويلة، بل قدّمن أعمالًا قصيرة قوية التأثير، مثل دينا أمين في أفلامها القصيرة التي حصدت جوائز بمهرجانات محلية ودولية، حيث استطاعت عبر دقائق معدودة أن تفتح جراحًا اجتماعية كبرى.إن ما يميز هذه التجارب هو أنها كسرت احتكار “النظرة الذكورية” لصورة المرأة، وقدّمت شخصيات نسائية مركبة، لها أحلامها وهواجسها وصراعاتها، بعيدًا عن التنميط المألوف. فنجد المرأة في هذه الأفلام ليست مجرد زوجة أو أم أو ضحية، بل ذات مستقلة، تسعى لتعريف نفسها، وتخوض معاركها ضد القيود الاجتماعية والسياسية.ولعل اللافت أن هذه الموجة النسائية تزامنت مع صعود منصات عرض بديلة مثل شاهد ونتفليكس، ما ساعد هذه الأفلام على الوصول إلى جمهور أوسع. بل إن بعض المخرجات أصبحن جزءًا من مشروعات إنتاج دولية، كما في حالة أيتن أمين التي أخرجت مسلسل searching for Ola (البحث عن علا) لصالح نتفليكس، وهو عمل أعاد تقديم صورة المرأة المصرية في ثوب عصري، يعكس تحديات جيل كامل.وفي المهرجانات، أثبتت المخرجات المصريات حضورهن القوي. ففي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2022، شاركت عدة أعمال نسائية، منها فيلم 19 ب للمخرجة نادين خان، الذي فاز بجائزة النقاد الدوليين (فيبريسي). أما في مهرجان الجونة السينمائي، فقد تكررت مشاركات مخرجات شابات مثل سارة الشاذلي وهالة لطفي، لتؤكد أن حضورهن ليس استثناءً بل مسارًا مستقرًا.إن السينما المستقلة التي تقودها أصوات نسائية لا تكتفي بطرح قضايا المرأة فقط، بل تمتد إلى قضايا المجتمع ككل: الفقر، الطبقية، الهجرة، العلاقات الأسرية، وحتى السياسة. وبذلك تتحول إلى مرآة تعكس تحولات مصر الاجتماعية في العقدين الأخيرين، لكن بزاوية رؤية جديدة أكثر صدقًا وجرأة.وليس من المبالغة القول إن المخرجات المصريات أسهمن في خلق تيار جديد من “الواقعية الشعرية” في السينما، يمزج بين التفاصيل اليومية البسيطة والتساؤلات الكبرى حول الحرية والعدالة. ولعل هذه الأعمال ستظل وثيقة فنية للمستقبل، تسجّل ملامح مصر المعاصرة من منظور المرأة.إن صوت المرأة في السينما المستقلة المصرية لم يعد همسًا خلف الكاميرا، بل صار صرخة إبداعية تشق طريقها بجرأة في المشهد الثقافي، وتعيد تعريف دور الفن بوصفه أداة للمقاومة والتغيير. وإذا استمرت هذه الموجة في الصعود، فربما نشهد قريبًا “مدرسة نسائية مصرية” في السينما المستقلة، تشبه ما حققته أسماء رائدة في الأدب والفن في أجيال سابقة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.