القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
لم تعد زيارة المتاحف في القرن الحادي والعشرين تجربة مادية صرفة بين القاعات الحجرية والجدران العتيقة، بل تحوّلت الشاشات الصغيرة إلى بوابة بديلة للولوج إلى عالم الحضارات. ومع صعود تقنيات التحول الرقمي، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز، برزت فكرة “المتحف بلا جدران”، الذي يتخطى الحدود المكانية ليصل إلى كل بيت في العالم.في مصر، صاحبة الإرث الحضاري الفريد، تبلورت هذه الرؤية من خلال عدة مشاريع نوعية. فقد أطلقت وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع منصة إنستاجرام مشروع Project Revival، الذي يتيح عبر تقنية الواقع المعزز إعادة تشكيل القطع الأثرية المكسورة أو الباهتة بألوانها الأصلية، ليختبر الزائر لحظة سحرية يرى فيها الماضي يعود حيًا. أما مبادرة اليونسكو الأخيرة لتدريب موظفي المتاحف المصرية على إنشاء جولات افتراضية عالية الجودة، فقد منحت المتاحف الإقليمية الصغيرة فرصة للانتشار العالمي، بعدما كان جمهورها يقتصر على الزوار المحليين.
على المستوى الدولي، تتسابق كبريات المؤسسات على دخول هذا المضمار. فـ متحف الفاتيكان بالتعاون مع مايكروسوفت أطلق مشروع “التوأم الرقمي” لكاتدرائية القديس بطرس، الذي يتيح استكشاف العمارة والفنون عبر المسح ثلاثي الأبعاد. فيما أطلق متحف اللوفر نسخته الافتراضية المتاحة للعالم أجمع، والتي زارها ملايين المستخدمين في فترة الإغلاق أثناء جائحة كورونا، لتتحول التجربة الرقمية إلى وسيلة إنقاذ اقتصادي وثقافي.التحول الرقمي للمتاحف لا يمثل رفاهية تكنولوجية، بل أداة اقتصادية واستراتيجية. فالجولات الافتراضية التي تسمح لشخص في نيويورك أو طوكيو بتأمل معروضات المتحف المصري، قد تتحول لاحقًا إلى زيارة فعلية، ما يزيد من تدفق السياح ويضاعف الإيرادات. وفقًا لتقديرات البنك الدولي، فإن الاستثمار في التحول الرقمي الثقافي يمكن أن يرفع من عوائد السياحة بنسبة تصل إلى 15% في الدول ذات التراث الغني، من خلال تعزيز التسويق الدولي، وزيادة مدة الإقامة السياحية، وتشجيع “السياحة الافتراضية المدفوعة” التي بدأت بعض المتاحف العالمية بتطبيقها.كما أن الرقمنة تفتح بابًا جديدًا أمام الاقتصاد الإبداعي، عبر تسويق منتجات رقمية مشتقة من التراث، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد لقطع أثرية، أو التطبيقات التعليمية التفاعلية، وهو قطاع يُتوقع أن ينمو عالميًا ليصل إلى مئات المليارات من الدولارات خلال العقد القادم.ورغم هذا البريق، يظل التحدي قائمًا: كيف نحافظ على الأصالة المادية للأثر، دون أن يبتلعه الطوفان الرقمي؟ هل تغني الشاشة عن رهبة الوقوف أمام مومياء عمرها 3 آلاف عام، أو لوحة جدارية محفورة في الصخر منذ فجر التاريخ؟ يرى خبراء أن الحل يكمن في التكامل: التكنولوجيا ليست بديلاً عن الحضور الحي، بل وسيلة لإثرائه وتوسيعه، بحيث يصبح المتحف فضاءً متعدد الأبعاد.مع اقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير كأكبر متحف أثري في العالم، تبرز فرصة تاريخية لمصر لتكون في طليعة هذا التحول العالمي. فإذا ما جرى دمج البنية التحتية الرقمية في صلب تجربة المتحف، من جولات الواقع المعزز، إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشرح الفوري بلغات عدة، فإن مصر لن تكتفي بكونها “خزانة آثار”، بل ستتحول إلى لاعب رئيسي في سوق الثقافة الرقمية العالمي.إن المتحف الرقمي ليس مجرد نافذة إضافية، بل أفق جديد يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ويجعل من الحضارة المصرية إرثًا عالميًا حيًا ومتجدّدًا، يعبر الشاشات كما عبرت الأحجار.





