القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
لم تعد المخدرات مجرد قضية جنائية تُسجَّل في دفاتر الشرطة، بل تحولت إلى كارثة اجتماعية وصحية وأمنية تهدد المجتمعات من الداخل، وتنهش في بنيتها الإنسانية والقيمية. إن الإدمان هو الوجه الخفي للحروب الحديثة؛ حرب بلا قنابل ولا مدافع، لكنها أكثر فتكًا لأنها تستهدف العقل، وهو أثمن ما يملكه الإنسان.تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 35 مليون شخص حول العالم يعانون من اضطرابات خطيرة مرتبطة بتعاطي المخدرات، فيما تلتهم هذه الآفة مليارات الدولارات سنويًا في تكاليف العلاج والخسائر الاقتصادية. أما في مصر والمنطقة العربية، فقد تصاعدت المخاوف مع ارتفاع نسب التعاطي بين الشباب، حتى أصبحت بعض الدراسات تشير إلى أن واحدًا من كل عشرة أفراد جرب المخدرات في مرحلة ما من حياته، وهو مؤشر خطير يعكس حجم التحدي.الإدمان ليس مجرد ضعف إرادة كما يتصور البعض، بل هو مرض مزمن ومعقد له جذور نفسية واجتماعية واقتصادية. يبدأ غالبًا بالفضول أو محاولة الهروب من ضغوط الحياة، لكنه سرعان ما يتحول إلى قيود خانقة تُفقد الإنسان عقله وإرادته. وما إن يقع الفرد في الفخ حتى يصبح سجينًا لهذه السموم، لا يرى العالم إلا من خلالها، ويُساق إلى هاوية لا مخرج منها إلا بالعلاج والإرادة.الأخطر أن المدمن في كثير من الأحيان لا يكون مدركًا لتصرفاته تحت تأثير المخدر، فيرتكب جرائم مروّعة لا تخطر على البال.
فحادثة مقتل الطالبة الأوكرانية في القطار كانت على يد شاب واقع تحت تأثير المخدرات، لتتحول رحلة عادية إلى مأساة إنسانية تهز الضمير. وهناك عشرات القصص المشابهة، من جرائم قتل وسرقة واعتداءات جنسية ارتكبها مدمنون فقدوا السيطرة على عقولهم، ليصبحوا خطرًا على أنفسهم وعلى المجتمع من حولهم.تأثير المخدرات لا يتوقف عند حدود المدمن وحده، بل يمتد إلى أسرته التي تعيش في دائرة من الألم والعار والاضطراب، وإلى المجتمع الذي يواجه تفككًا أسريًا، وزيادة في نسب الجريمة، وتراجعًا في قوة العمل والإنتاج. ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه السموم تضرب في صميم جيل الشباب، الذين يُفترض أن يكونوا طاقة الأمة ومصدر نهضتها.ورغم قتامة المشهد، فإن الأمل لا يزال قائمًا. فقد أثبتت تجارب عديدة أن الإرادة الصادقة والدعم الأسري والطبي قادرون على انتشال المدمن من هذا المستنقع. المراكز العلاجية الحديثة باتت تعتمد برامج متكاملة تشمل العلاج النفسي والسلوكي والطبي، إضافة إلى إعادة دمج المتعافي في المجتمع كي لا يعود مرة أخرى إلى دوامة التعاطي. كما أن حملات التوعية تلعب دورًا جوهريًا في تحصين الشباب ضد الوقوع في هذه الكارثة.المسؤولية هنا جماعية لا فردية؛ تبدأ من الأسرة التي تمثل خط الدفاع الأول، وتمر بالمدارس والجامعات والإعلام، وصولًا إلى أجهزة الدولة التي يجب أن تضرب بيد من حديد على أوكار الاتجار والترويج. إن مواجهة الإدمان ليست معركة وزارة بعينها، بل هي قضية وطنية وإنسانية تتطلب تكاتف الجميع.الإدمان ليس قدرًا محتومًا، لكنه كارثة إذا تُركت بلا مواجهة. كل مدمن يمكن أن يعود إنسانًا منتجًا إذا وجد يدًا حانية تعينه، وكل أسرة يمكن أن تستعيد ابنها إذا تمسكت بالأمل ولم تستسلم لليأس. لكنها حرب طويلة، والانتصار فيها هو بقاء العقل سليمًا والنفس نقية والمجتمع متماسكًا. وإذا كان النفط هو عصب الاقتصاد، فإن العقول هي ثروة الأوطان، وحين تُهدر تحت تأثير المخدرات فنحن نخسر المستقبل بأسره. فلنرفع جميعًا هذا الشعار: إنقاذ الشباب من المخدرات ليس واجبًا إنسانيًا فقط، بل هو معركة وجود وحياة.




