dhl
dhl

المستقبل بعد النفط: كيف تستعد دول الخليج لعصر ما بعد الطاقة التقليدية؟

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم يعد النفط، رغم أنه كان لعقود مصدر القوة الاقتصادية الأول لدول الخليج، الضمانة المطلقة لمستقبل هذه المنطقة الحيوية. ففي عالم يتجه سريعاً نحو الطاقة المتجددة، والحدّ من الانبعاثات الكربونية، والبحث عن بدائل أكثر استدامة، بدأت دول الخليج منذ سنوات رحلة جريئة نحو إعادة صياغة اقتصاداتها، لتثبت أنها ليست رهينة الذهب الأسود، بل قادرة على بناء مستقبل أكثر تنوعاً ومرونة.لقد أطلقت هذه الدول استراتيجيات شاملة تحمل رؤى مستقبلية، مثل رؤية السعودية 2030، ورؤية قطر الوطنية 2030، ورؤية الإمارات 2050، وهي ليست مجرد شعارات، بل خطط عملية تتضمن الاستثمار في قطاعات واعدة كالطاقة الشمسية والنووية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والصناعات الإبداعية. فقد أدركت أن النفط سلعة ناضبة، وأن العالم قد لا ينتظره طويلاً في سباق التحول الأخضر.وفي هذا السياق، أصبح الاستثمار في الطاقة المتجددة عنوان المرحلة. فالإمارات دشّنت مشاريع رائدة مثل “مدينة مصدر” في أبوظبي، التي تُعد نموذجاً لمدينة مستدامة، بينما تستثمر السعودية في مشروع “نيوم” العملاق الذي يَعِد بأن يكون مختبراً مفتوحاً للتكنولوجيا النظيفة.

أما سلطنة عُمان فتسعى بقوة نحو استغلال طاقتها الشمسية والرياح لتوليد الكهرباء وتصدير الهيدروجين الأخضر، في حين ركّزت الكويت والبحرين على تنويع مصادر الدخل من خلال تطوير قطاعات مالية وسياحية.لكن التحدي لا يتوقف عند التنويع الاقتصادي، بل يمتد إلى تغيير الثقافة الاقتصادية والاجتماعية. فالاعتماد على النفط خلق نموذجاً من “الدولة الريعية”، حيث تشكل عوائد النفط المصدر الرئيسي للإنفاق الحكومي، مما ولّد أنماطاً استهلاكية غير مستدامة. واليوم، تسعى دول الخليج إلى بناء أجيال جديدة من الشباب تمتلك مهارات تتوافق مع سوق عمل عالمي قائم على الابتكار والتقنيات الحديثة، بعيداً عن الاعتماد الكلي على الوظائف الحكومية.ولا يمكن إغفال البُعد السياسي والجيوستراتيجي لهذه التحولات. فالتنافس بين القوى الكبرى على مصادر الطاقة البديلة والتكنولوجيا النظيفة يضع الخليج أمام اختبار جديد: كيف يحافظ على مكانته المحورية في سوق الطاقة العالمي، بعد أن كان اللاعب الأول في تصدير النفط؟ الإجابة قد تكون في تصدير الطاقة النظيفة والمعرفة والتكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء بالموارد التقليدية.إنّ المستقبل بعد النفط ليس تهديداً لدول الخليج بقدر ما هو فرصة لإعادة اكتشاف ذاتها. فهذه الدول التي حوّلت الصحراء إلى مدن عصرية، وبنت من عائدات النفط مجتمعات متقدمة، تمتلك اليوم القدرة على أن تصبح مراكز عالمية للابتكار والاقتصاد المستدام. غير أن النجاح في هذا المسار يتطلب إرادة سياسية قوية، وتخطيطاً بعيد المدى، ومشاركة فاعلة من الشباب الذين سيكونون عماد هذه المرحلة الجديدة.وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحاً: هل سيذكر التاريخ دول الخليج باعتبارها مجرد منتج للنفط، أم باعتبارها المنطقة التي نجحت في التحوّل من الاعتماد على الموارد الناضبة إلى بناء نموذج اقتصادي عالمي قائم على التنوع والابتكار؟ المؤشرات الحالية تقول إن الإرادة موجودة، والطريق مفتوح، والمستقبل لا يزال قابلاً لإعادة الكتابة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.