القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في تطور لافت على الساحة التشريعية المصرية، رفض الرئيس المصري التصديق على مشروع قانون الإجراءات الجنائية، وأعاده مرة أخرى إلى البرلمان لمراجعته بعد أن أبدى اعتراضات قانونية وإنسانية على بعض مواده. هذه الخطوة تُعد سابقة مهمة في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث جرت العادة أن تمر مشروعات القوانين بعد موافقة البرلمان إلى مرحلة التصديق الرئاسي بشكل شبه تلقائي، إلا أن هذا القرار أعاد النقاش إلى نقطة البداية.القانون المطروح يُعتبر من أهم القوانين التي تحدد قواعد سير العدالة الجنائية في مصر، وكان البرلمان قد عمل على تعديله وإعادة صياغته لسنوات، بغرض تطوير المنظومة القانونية بما يتوافق مع المعايير الحديثة وحقوق الإنسان. غير أن بعض المواد، وفق ما تردد في الأوساط القانونية والحقوقية، أثارت جدلاً واسعًا، خاصة فيما يتعلق بفترات الحبس الاحتياطي، وإجراءات المحاكمة العادلة، وضمانات الدفاع.خطوة الرئيس بإعادة القانون للبرلمان وطلب تعديله فسّرها مراقبون بأنها رسالة واضحة تؤكد أن الدولة لا تسعى فقط إلى استكمال الشكل الإجرائي، وإنما إلى ضمان وجود نصوص متوازنة تحقق العدالة وتحافظ في الوقت ذاته على الأمن والاستقرار.
في حين رأى آخرون أن هذا التحرك يمثل تعزيزًا لمكانة البرلمان، عبر دفعه لمزيد من الحوار والتشاور، وفتح الباب أمام مشاركة أوسع من الخبراء والمتخصصين قبل صدور الصيغة النهائية.ردود الفعل جاءت متباينة؛ فقد رحبت بعض المنظمات الحقوقية بالخطوة واعتبرتها “انتصارًا لصوت العقل” الذي يوازن بين متطلبات الأمن وحقوق المواطنين، بينما دعا نواب من لجان البرلمان إلى التعجيل بفتح جلسات استماع جديدة مع ممثلين عن نقابة المحامين، وأساتذة القانون الجنائي، ومؤسسات المجتمع المدني، لتفادي أي ثغرات أو مواد مثيرة للجدل.وعلى الصعيد المقارن، يلفت خبراء النظر إلى أن مصر ليست وحدها التي تواجه تحديات في صياغة قانون متوازن للإجراءات الجنائية. ففي تونس، جرى تعديل قانون الإجراءات الجزائية عام 2016 ليشمل مزيدًا من الضمانات للمتهمين، مثل تقليص مدد الحبس الاحتياطي وتعزيز حق المتهم في حضور محامٍ منذ اللحظة الأولى للاستجواب. أما المغرب فقد أدخل عام 2022 تعديلات جوهرية هدفت إلى تسريع الفصل في القضايا وتخفيف العبء عن المحاكم، مع مراعاة حقوق الدفاع.أما التجارب الأوروبية، فغالبًا ما تُستشهد بالتجربة الفرنسية التي قامت في العقد الأخير بعدة مراجعات متتالية لقانون الإجراءات الجنائية، أبرزها مراجعة 2019 التي قلّصت مدد الحبس الاحتياطي وأدخلت إجراءات بديلة مثل المراقبة القضائية والإفراج تحت قيود. ألمانيا كذلك لديها تجربة متقدمة في الموازنة بين السرعة في التحقيقات الجنائية وضمانات حقوق المتهم، عبر نظام صارم يفرض رقابة قضائية دقيقة على كل خطوة من خطوات الاحتجاز.هذه النماذج، كما يرى قانونيون مصريون، يمكن أن تلهم عملية المراجعة القادمة للقانون المحلي، بحيث يُبنى على الخبرة الدولية بما يتناسب مع خصوصية المجتمع المصري. فالتحدي الأساسي لا يكمن في نسخ تجارب الآخرين، بل في ابتكار صيغة مصرية تحقق العدالة الناجزة وتحفظ الحقوق، وتؤسس لثقة أكبر بين المواطن ومؤسسات الدولة.وبينما ينتظر الشارع القانون بصيغته الجديدة، يبقى هذا الملف شاهدًا على حيوية المشهد السياسي والقانوني في مصر، ومؤشرًا على أن النقاش حول العدالة لم يعد محصورًا في قاعات المحاكم فحسب، بل بات جزءًا من الحوار العام الذي يصوغ مستقبل الدولة وعلاقتها بمواطنيها.



