dhl
dhl

رحلة كوكب الشرق من طفولتها في طنطا إلى أسطورة الفن العربي

القاهرة – نهاد شعبان:

يظل اسم أم كلثوم، أو كما يلقبها الملايين بكوكب الشرق علامة فارقة في تاريخ الفن العربي، لم تكن مجرد مطربة لها صوت عذب، بل ظاهرة ثقافية وفنية وإنسانية تجاوزت حدود الغناء لتصبح رمزا للهوية العربية وذاكرة وجدانية ممتدة عبر الأجيال، هذه الرحلة لم تبدأ في القاهرة، بل في قرية صغيرة تابعة لمدينة طنطا بمحافظة الغربية، فاسمها الحقيقي فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي، وولدت في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، لكن طفولتها ارتبطت بمدينة طنطا التي عرفت فيها أولى خطواتها نحو الفن، ونشأت في أسرة ريفية بسيطة، فكان والدها إمام مسجد يهوى الإنشاد الديني، ووالدتها سيدة ربة بيت محافظة.وعندما لاحظ والدها جمال صوتها منذ صغرها، وعلمها تلاوة القرآن والإنشاد الديني، أصبحت تحفظ القصائد والموشحات بسهولة مدهشة، ولأن المجتمع الريفي وقتها كان متحفظا تجاه غناء البنات، كان والدها يلبسها ملابس الأولاد لتغني معه في الموالد والاحتفالات الدينية، دون أن يثير ذلك اعتراض الناس، ومن هنا بدأ صوت الطفلة يدهش المستمعين ويجذب الأنظار، ومع مرور الوقت، بدأ صيت الفتاة الصغيرة ينتشر في القرى المجاورة لطنطا، وفي أحد الموالد، سمعها بعض عشاق الطرب الذين نصحوا والدها بالانتقال إلى القاهرة، حيث يمكن لصوتها أن يجد مساحة أكبر للازدهار.وانتقلت بعدها أم كلثوم مع أسرتها إلى القاهرة في مطلع العشرينيات، وهناك بدأت تواجه التحديات الأولى في عالم لا يرحم، لكنها سرعان ما لفتت انتباه نخبة من المثقفين والفنانين، مثل الشاعر أحمد رامي والملحن محمد القصبجي، وقد شكلت هذه اللقاءات محطات أساسية في مسيرتها، إذ ساعدها رامي على صقل أدائها بالكلمات الراقية، بينما قدم لها القصبجي ألحانا عصرية فتحت لها آفاقا جديدة، ومع بدايات الثلاثينيات، أصبحت أم كلثوم اسما لامعا في مصر والعالم العربي، وبدأت حفلاتها تذاع عبر الإذاعة المصرية التي تأسست عام 1934، مما وسع جمهورها ليشمل كل بيت عربي يمتلك جهاز راديو، ومن هنا بدأت ظاهرة ليلة الخميس، حيث يجتمع الملايين للاستماع إلى حفلاتها الشهرية المباشرة.

كانت أبرز أعمالها في هذه الفترة، أغنية إن كنت أسامح وعلى بلد المحبوب، والتي رسخت مكانتها كأيقونة للطرب الأصيل، كما دخلت مجال السينما وقدمت عدة أفلام ناجحة مثل وداد ودنانير، إلا أن تركيزها ظل موجها نحو الغناء، وتميزت مسيرة أم كلثوم بعلاقاتها الاستثنائية مع كبار الشعراء والملحنين، فقد كتب لها أحمد رامي أكثر من 100 قصيدة غنائية، ملأها بعاطفة صادقة مستوحاة من إعجابه الشخصي بها، أما رياض السنباطي، فقدّم لها أروع الألحان الكلاسيكية التي أبرزت قوة صوتها، مثل الأطلال وسلوا كؤوس الطلا، كما تعاونت مع محمد عبد الوهاب في أغنيات خالدة مثل إنت عمري، وهو اللقاء الذي اعتبر حدثا فنيا كبيرا جمع بين عملاقي الطرب، ولم تكن هذه الشراكات مجرد تعاون فني، بل لقاء بين مدارس مختلفة اندمجت لتخرج فنا يليق بمكانتها.ولم يكن صوت أم كلثوم مجرد وسيلة للطرب، بل تحول إلى رمز وطني. ففي فترة ثورة 1952 وصعود المشروع القومي بقيادة جمال عبد الناصر، أصبحت أغنياتها الوطنية مثل والله زمان يا سلاحي وأصبح عندي الآن بندقية أناشيد للكرامة العربية، كما ساهمت أيضا في دعم مصر ماديا ومعنويا بعد نكسة 1967، حيث قامت بجولات فنية في الدول العربية وجمعت إيرادات حفلاتها لصالح المجهود الحربي، وهكذا تجاوزت أم كلثوم حدود الفن لتصبح صوت الأمة في لحظات الانكسار والانتصار، واستمرت أم كلثوم في العطاء حتى أوائل السبعينيات، حين بدأت حالتها الصحية تتدهور بسبب مرض الكلى، ومع ذلك، ظل جمهورها وفيا لها، يستمع إلى تسجيلاتها ويستعيد لحظات مجدها، وعندما توفيت في 3 فبراير 1975، خرجت جنازتها كأكبر جنازة شهدتها مصر في القرن العشرين.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.