القاهرة – نهاد شعبان:
في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، رحل الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعد نوبة قلبية مفاجئة، لينتهي فصل من أكثر الفصول تقدمًا في التاريخ الحديث لمصر والعالم العربي، ورغم مرور 55 عامًا على رحيله إلا أنه لا يزال حاضرا في وجدان المصريين والعرب، بل وفي السياسات التي ما زالت تبنى على منهجه، فقد ولد جمال عبد الناصر في 15 يناير 1918 بالإسكندرية، ونشأ في أسرة متوسطة الحال، ليصبح لاحقا أحد أبرز قادة حركة الضباط الأحرار التي أطاحت بالملكية في يوليو 1952، ولم يكن مجرد قائد عسكري، بل سياسي صاحب مشروع قومي متكامل، هدفه إعادة بناء مصر المستقلة القادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.بعد إعلانه الجمهورية عام 1953، سرعان ما تجمع المصريون حوله باعتباره زعيما من الشعب وللشعب، فكان خطابه السياسي المبسط والمؤثر وسيلة تواصل مباشر مع الجماهير، عززت صورته كرمز للتحرر والكرامة الوطنية، ومن أبرز بصمات عبد الناصر التي ما زالت حاضرة حتى اليوم الإصلاح الزراعي عندما قلص نفوذ الإقطاعيين ووزع الأراضي على الفلاحين، وأيضا التصنيع الثقيل، حين أطلق مشروعات كبرى مثل مجمع الحديد والصلب، والسد العالي الذي غير وجه الزراعة والطاقة في مصر، وأيضًا التعليم المجاني، حيث فتح أبواب المدارس والجامعات أمام أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، مما غير الخريطة الاجتماعية، وأيضا التوظيف الحكومي، حيث ضمن وظائف للخريجين، وهذه السياسات صنعت طبقة جديدة من المتعلمين والمثقفين والمهنيين، ولا تزال آثارها ملموسة حتى اليوم في التركيبة الاجتماعية المصرية.
ولم يكن عبد الناصر زعيما لمصر فقط، بل أصبح رمزا عربيا، رفع شعار الوحدة العربية، وأسس الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا عام 1958، رغم أنها لم تستمر طويلا، كما كان من أبرز دعاة التحرر من الاستعمار، فدعم ثورات الجزائر واليمن وفلسطين، وبفضل خطابه القومي، أصبح اسمه مرتبطا بالأمل في أمة عربية واحدة، وفي عام 1956، أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس في قرار تاريخي هز العالم، وجاء رد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالعدوان الثلاثي، لكن صمود مصر ودعم الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أنهى العدوان بنصر سياسي هائل، وهذا الحدث دعم مكانته كرمز عالمي لمناهضة الاستعمار، ووضع مصر في صدارة المشهد الدولي.ورغم إنجازات جمال عبد الناصر، إلا أنه واجه أكبر اختبار في نكسة يونيو 1967، حين هزمت إسرائيل الجيوش العربية واحتلت سيناء والجولان والضفة الغربية، فكانت صدمة قاسية للشعب المصري والعربي، وأعلن عبد الناصر استقالته، لكن الملايين خرجوا يطالبون بعودته، وعاد عبد الناصر، وتحمل مسؤولية إعادة بناء الجيش، مؤسسا لمرحلة حرب الاستنزاف التي مهدت لاحقا لانتصار أكتوبر 1973، وفي 28 سبتمبر 1970، بعد انتهاء قمة عربية بالقاهرة خصصت لوقف القتال في الأردن بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية، أصيب عبد الناصر بأزمة قلبية حادة توفى على إثرها، وخرجت مصر والعالم العربي في جنازة مهيبة شارك فيها ملايين المواطنين وزعماء من مختلف الدول، في مشهد أكد مكانته الاستثنائية كزعيم شعبي.





