القاهرة – نهاد شعبان:
في سجلات حرب أكتوبر 1973 توجد لحظات تعبر عن عبقرية قادت إلى نتائج ميدانية ملموسة ساعدت على تحقيق النصر، من بين تلك اللحظات يظهر اسم اللواء المهندس باقي زكي يوسف، المهندس العسكري الذي اقترح حلا غير تقليدي لاختراق الحاجز الترابي المعروف باسم خط بارليف عبر استعمال قوى المياه لتجريف الرمل وفتح ممرات عبور للقوات، حيث تخرج من كلية الهندسة ثم التحق بالقوات المسلحة، وجمع بين الخبرة الهندسية المدنية التي تعززت خلال عمله في مشاريع كبرى كالسد العالي والخبرة العسكرية كضابط مهندس، هذه الخلفية المزدوجة هي التي سمحت له برؤية رابط عملي بين تقنيات ضخ المياه واستغلالها في ظروف ميدانية تبدو محكومة بالأسلحة التقليدية.فبعد حرب 1967 أقامت إسرائيل سلسلة تحصينات على الضفة الشرقية لقناة السويس تضمنت ساترا ترابيا شديد الانحدار ملاصقا للمجرى المائي، بالإضافة إلى نقاط نيران وألغام وأسلاك شائكة، هذا الساتر، المعروف بقدرته على مقاومة الهجوم التقليدي، صعب التجريف أو الاختراق بالمدفعية وحدها، لأن الرمال تسد أي شق بسرعة أو تتبدد في ظروف معقدة، لذلك كان التحدي تكتيكيا كيف يمكن إيجاد ثغرات عملية وآمنة تتيح لعبور المشاة والعربات؟
ومن هذا المنطلق عرض باقي زكي فكرة تستند إلى مبدأ بسيط ومجرب في مشاريع هندسية مدنية وهي استخدام طلمبات قوية لضخ مياه القناة وخلق تيارات هيدروليكية قادرة على نقل كميات كبيرة من الرمال وإزاحتها، والفكرة لم تكن تنطوي على التفجير أو المواجهة المباشرة، بل على تغيير فيزيائي لطبيعة الحاجز نفسه وهي تحويل كتلة رملية راسخة إلى ممر قابل للعبور عبر القوى المائية.لم تكن الفكرة تقابل بالترحاب في البداية، بل خضعت لسلسلة اختبارات وتجارب في مواقع تجريبية من بينها مناطق في الإسماعيلية، حيث جهزت سواتر مماثلة لخط بارليف وتمت محاكاة الضخات ومعدلات التدفق وحساب نقاط التركيب، هذه التجارب التي استغرقت وقتا وموارد، أكدت أن المبدأ عملي، فالمياه المضغوطة قادرة على تفكيك وتفريق الرمال بكفاءة كافية لفتح ثغرات، مع إمكانية ضبط حجم الفتح وموقعه بحسب الهدف التكتيكي المرغوب، وعندما أتى يوم العبور في أكتوبر 1973، تم استخدام المضخات كجزء من خطة متكاملة شملت تمهيدا نيرانيا ومناورات عسكرية أخرى، بدأت وحدات الهندسة في فتح الثغرات المائية في الساتر، فظهرت فتحات لعبور المشاة ثم للمركبات الخفيفة، ما أتاح للقوات المصرية التقدم إلى الضفة الشرقية وتخفيف الضغط على عناصر العبور، ووفق روايات وشهادات متعددة، ساهمت هذه التقنية في تقليل الخسائر المتوقعة بالمقارنة مع محاولات الاختراق التقليدية، كما أنها أقل جذبا للنيران المباشرة مقارنة بمحاولات الحفر العادي أو الكثيف بالمعدات الثقيلة.وما يميز قصة باقي أن نجاح الفكرة جاء نتيجة مزيج بين العلم المدني والخبرات العسكرية، من خلال خبرة العمل في السدود ومضخات المياه وعمليات التجريف المدني والتي تحولت إلى حل ميداني قادر على تغيير سلوك التضاريس، هذا التحول يسلّط الضوء على أهمية التفكير العابر للتخصصات داخل الحروب، حيث لا تحسم المعارك دوما بالترسانة الكبيرة، بل أحيانا بفكرة تقنية ذكية تستغل في اللحظة المناسبة، كما يحمل استخدام المياه رسالة رمزية للقدرة على التحايل على الحواجز التقنية للعدو بتحويل الموارد الطبيعية إلى سلاح عملي، كما أن الاعتراف لاحقا بجهود مهندسي الحرب يؤكد أن عناصر النجاح في العمليات الكبرى غالبا ما تكون نتاج تعاون وثيق بين التخطيط والاستخبارات والهندسة والقيادة التنفيذية.




