تزايدت وتيرة فرض الرسوم الجمركية الأميركية مؤخراً مع إعلان الرئيس دونالد ترامب إضافة رسوم جديدة بنسبة 100% على الأدوية، وبنسبة 50% على خزائن المطبخ وأحواض غسيل الحمامات، ورسوم أخرى على الأثاث المنجد (30%) والشاحنات الثقيلة (25%)، وذلك اعتباراً من 1 أكتوبر الجاري. لا يُعرف بدقة حجم الإيرادات التي حققتها الخزانة الأميركية من هذه الرسوم التي فرضها ترامب، في الربيع الماضي، لكن يبدو أنها لا تقل عن 30 مليار دولار شهرياً. وحتى مع مراعاة التضخم، يُعد هذا مبلغاً كبيراً جداً.لكن هناك سؤالاً أهم من حجم هذه الإيرادات: ما الذي يجب أن تفعله الولايات المتحدة بهذه الأموال؟ فهذه الرسوم لا تكتسب معنى اقتصادياً إلا إذا استُخدمت في تقوية الاقتصاد الأميركي، وهذا يعتمد على كيفية إنفاق الأموال.مع هذا الإجراء الذي سمّاه ترامب «يوم التحرير»، أوقف ترامب 70 عاماً من التحرر التدريجي للتجارة العالمية، وفرَض أحد أعلى مستويات الرسوم الجمركية في تاريخ البلاد. وبحسب آخر بيانات وزارة الخزانة، فقد بلغت إيرادات الرسوم الجمركية لشهر أغسطس الماضي، وهو أول شهر يعكس بشكل كامل هذه الرسوم، 29.5 مليار دولار، وهو رقم قياسي شهري.صحيح أن الطلب على بعض الواردات قد ينخفض مع ارتفاع الأسعار، وقد ينتقل بعض المصنّعين الأجانب إلى الولايات المتحدة، أو يتخلون عن السوق الأميركية، لكن من المتوقع أن تصل الإيرادات الإضافية السنوية من الرسوم الجمركية إلى 400 مليار دولار على الأقل، وربما 500 مليار دولار، نظراً لحماس ترامب الواضح لفرض مزيد من الرسوم.لطالما كان من الصعب تحديد الأهداف الاقتصادية الدقيقة لهذه الرسوم، لكن الهدف الرئيس كان دائماً تعزيز الاقتصاد الأميركي، وخاصة قطاع التصنيع، وما يوفره من وظائف ذات أجور جيدة. وبهذا الخصوص هناك ثلاثة خيارات رئيسة لاستخدام هذه الإيرادات.الخيار الأول: يمكن استخدام المال في شكل حوافز ضريبية، أو إعانات للمصنّعين المحليين، لتمكينهم من استبدال الواردات التي ارتفعت أسعارُها. فإذا فرضت تعريفات جمركية على الألعاب الواردة من فيتنام أو الأجهزة المنزلية الواردة من كوريا الجنوبية، فالمجال سيفتح أمام رواد الأعمال الأميركيين للمنافسة، وستساعدهم التخفيضات الضريبية على بناء المصانع التي يحتاجون إليها. الخيار الثاني: يمكن استخدام هذه الأموال في تخفيضات ضريبية عامة لتعويض المستهلكين عن ارتفاع أسعار جميع السلع المستوردة. الخيار الثالث: يمكن استخدامها في خفض عجز الموازنة، وحتى لو كان الوصول إلى ميزانية متوازنة بعيداً جداً، فإن ضخ ما يقرب من نصف تريليون دولار قد يساعد على الأقل في تحقيق بعض الاستقرار.ما هو الخيار الأمثل؟ من الواضح أنه لا جدوى من محاولة الجمع بين الخيارات الثلاثة، حتى لو كان ذلك هو ما يميل إليه ترامب. سيكون تأثير 500 مليار دولار إضافية فعالاً فقط إذا تم توجيهه في اتجاه واحد.إن دعم الصناعة أمر منطقي، لكن الولايات المتحدة شهدت بالفعل موجةَ دعم هائل خلال رئاسة جو بايدن، ومع سوء استخدام هذه الأموال في السابق، فإن تخصيص مزيد من الأموال سيكون مشروعاً مشكوكاً فيه. إذا ارتفعت أسعار السلع المستوردة، فسيستفيد المصنِّعون الأميركيون، وسيكون من الأسهل لهم المنافسة مع الأجانب، ما يقلل تأثير الدعم الإضافي.وماذا عن التخفيضات الضريبية العامة؟ هي دائماً موضع ترحيب، ونظراً لأن الرسوم الجمركية في النهاية ضرائب مقنّعة، فهناك منطق في استخدام الأموال بهذه الطريقة، لكن مع بقاء التضخم الأميركي أقل من 3%، لا توجد مؤشرات (حتى الآن) على أن الرسوم ستؤدي إلى موجة ارتفاع في الأسعار.يبقى خيار تقليص العجز هو الأنسب. ومع توقع عجز يبلغ 1.7 تريليون دولار في السنة المالية 2025، إذا تم تخصيص إيرادات الرسوم الجمركية بالكامل لتقليص العجز، فسيقلل ذلك من حجم قروض الحكومة الأميركية سنوياً بنسبة تقارب الثلث.سيكون التأثير هائلاً؛ سيخفض، على الأرجح، عوائد السندات (مع ارتفاع أسعار ديون الولايات المتحدة)، مما يسمح للاحتياطي الفيدرالي بتسريع خفض أسعار الفائدة، وتعزيز الدولار، وتوفير رأس المال الخاص للاستثمار في أماكن أخرى. والأهم من ذلك، ستكون خطوة مهمة نحو ضمان استقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل، وتعزيز الريادة العالمية للدولار. وهذا بالفعل سيُحدث فَرقاً على صعيد قوة الاقتصاد والأمن القومي.يمكننا جميعاً أن نختلف حول ما إذا كانت الرسوم الجمركية فكرة جيدة أو سيئة. لكن تلك المرحلة قد ولّت. فالرسوم أصبحت حقيقة واقعة، ومن المرجح أن تبقى مطبقة لأربع سنوات على الأقل. ما لم يُحسم بعد، وربما لم يخضع لنقاش جاد، هو كيفية استخدام الأموال المتدفقة. إن فاعلية هذا الاستخدام ستحدد في نهاية المطاف ما إذا كانت رسوم ترامب ستُعتبر نجاحاً أم فشلاً.


