dhl
dhl

د. أشرف محرم: “أحلم أن أترك بصمة إيجابية في كل مكان.. والنادي بيتٌ لأعضائه لا مؤسسة ربحية”

القاهرة _ أميرة المُحمَّدي:

بين أروقة نادي الصيد العريق، وفي يومٍ من أيام أكتوبر الهادئة، التقيتُ برجلٍ يجمع بين العلم والخلق، وبين التواضع والريادة.

هو الدكتور أشرف محرم، جراح العظام والمفاصل، ونائب رئيس مجلس إدارة نادي الصيد المصري، أحد الأسماء التي حفرت حضورها في عالم الطب كما في ساحة الإدارة، بثباتٍ وصدقٍ وإيمانٍ عميق بالعمل والإنسان.بدأ حديثه بابتسامةٍ خفيفة تشي بثقة العارف بطريقه:«أنا خريج كلية الطب عام 1993، كنت الخامس على الدفعة، وكنت أعشق جراحة العظام منذ أول لحظة لمس فيها يدي المشرط».

منذ تلك البداية، سارت رحلته بخطى ثابتة. حصل على الماجستير في مارس 1998 وكان الأول على دفعته، ثم اختار أن يتعمّق في إصابات الطرف العلوي والأعصاب الطرفية، فسافر إلى إنجلترا ثم إلى الولايات المتحدة ليتعلّم على أيدي كبار الجراحين. وحين عاد إلى مصر، عاد بروح المخلص الذي يحمل رسالة لا مهنة.

يقول بابتسامةٍ متواضعة:«ربنا سبحانه كلل جهودي بالنجاح، وكنت من مؤسسي الجمعية المصرية لجراحة اليد، ثم تولّيت رئاستها، وأنا الآن عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية لجراحة اليد، وأمين الجمعية المصرية لجراحة العظام».لم يكن العلم عنده حدودًا، فهو يُدرّس للجمعية السويسرية لجراحة العظام منذ عام 1997 وحتى اليوم، متنقلًا بين دول العالم محاضرًا ورئيسًا لمؤتمرات وكورسات متخصصة.

وفي ديسمبر القادم، سيترأس مؤتمر الجمعية السويسرية لجراحة الطرف العلوي في دافوس — حدث عالمي يجتمع فيه كبار الجراحين من مختلف القارات.رحلة علمية ثرية دعمها بعدد كبير من الأبحاث المنشورة، وعضويةٍ فاعلة في كلية الجراحين الملكية بلندن، والجمعية الأمريكية لجراحة اليد، والجمعية الألمانية البحثية لجراحات الأعصاب الطرفية.

• من الرياضة إلى القيادة.. مسيرة داخل نادي الصيد

يحكي بابتسامة:«أنا في الحقيقة مولود داخل نادي الصيد، رغم أن عائلتي كانت أعضاء في أندية أخرى، لكن والدي – وكان حكم كرة قدم – كان يقضي أغلب وقته هنا».

لعب معظم الألعاب من كرة القدم إلى السباحة، لكن الطب غلبه بحبه ودقته، فترك الملاعب ليكرّس نفسه للعلم. وبعد عودته من بعثته، عاد أيضًا إلى النادي طبيبًا لفرق كرة القدم، استمر في هذا الدور أكثر من اثنتي عشرة سنة، كان خلالها مثال الطبيب المتفاني والأب الروحي للاعبين.ومع مرور الوقت، وجد نفسه قريبًا من الناس، من مشاكلهم وطموحاتهم، فخاض انتخابات مجلس الإدارة وفاز في دورتَي 2013 و2017، ثم نال ثقة الجمعية العمومية عام 2021 نائبًا لرئيس مجلس الإدارة.

• العظام والرياضة.. دروس من الميدان والجراحة

حين سألته عن كثرة الإصابات في الملاعب، تنهد قائلًا:«الإصابات أصبحت هاجسًا في الرياضة، فهي قد تُنهي مشوار لاعب قضى عمره يتدرّب. الأسباب كثيرة: سوء التمرين، وعدم التركيز، وضغط المباريات، والتوتر النفسي الذي يعيشه اللاعب تحت وطأة المنافسة والجمهور».

ويضيف بخبرة الطبيب:«حتى المعدات الرديئة أو التجهيز غير السليم قد تكون سببًا في كارثة، والأسوأ حين يُهمل اللاعب إصابته في بدايتها فتتحول إلى إصابة مزمنة».ويرى أن العلاج اليوم تطوّر كثيرًا، فبعدما كانت بعض الإصابات تُنهي المسيرة، أصبحت احتمالات العودة للملاعب أكبر، لكن النجاح في الشفاء يعتمد على التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج.ويختم تلك الفقرة بعبارة تلخص فلسفته المهنية:«من يحب عمله ويخلص له، لا بد أن ينجح. فالحب والإخلاص هما جناحا النجاح في أي مهنة».

• عن الجمعية العمومية.. ورؤية الإصلاح

انتقلنا للحديث عن الجمعية العمومية الأخيرة في ظل قانون الرياضة الجديد، فشرح لي بهدوء الطبيب وتحليل الإداري:«الجمعية العمومية العادية تختص بإقرار الميزانية، بينما هناك جمعية أخرى خاصة بتعديل اللائحة، وقد يليها جمعية غير عادية لتوفيق الأوضاع طبقًا لقانون الرياضة الجديد».وأضاف بثقةٍ ومسؤولية:«كل ما نقوم به هو لضمان توافق النادي مع القوانين، وفي الوقت ذاته تحقيق رغبات الأعضاء في لائحة تليق بتاريخ النادي وخصوصية أعضائه».

وتحدث عن الجهد الكبير الذي بذله المجلس الحالي لعبور فترة من الأحمال المالية، مؤكدًا أن المرحلة القادمة ستشهد ترجمة حقيقية لهذا النجاح المالي عبر خدمات أفضل وصيانة وتطوير ملموس.ثم قال عبارته التي اختصّني بها مبتسمًا:«النادي ليس مؤسسة تهدف إلى الربح، بل بيت يسعى لتقديم أفضل خدمة لأعضائه».

• الطموح القادم.. خطوة نحو الرئاسة

وحين سألته عن نية الترشح لرئاسة النادي في انتخابات 2026، أجاب بصراحةٍ ممزوجة بالثقة: «نعم، أنوي الترشح. ولو رأى الأعضاء أني جدير بالمنصب ومنحوني ثقتهم، فسيكون ذلك شرفًا كبيرًا لي».

• في غرفة العمليات.. قصص إنسانية لا تُنسى

حين دخلنا الحديث في تفاصيل مهنته، لمع في عينيه بريق الطبيب الذي عاش لحظات إنقاذٍ لا تُنسى.

قال:«أجريت عمليات معقدة جدًا، مثل إصابة بطل أولمبي في الكتف أثناء الأولمبياد، وخلع كوع لاعبة منتخب مصر في الغطس، وإصابات حادة في لاعبي كرة اليد من الزمالك ومنتخب مصر».ورغم صعوبة هذه الحالات، يتحدث عنها بحبٍ واعتزازٍ كأنها علامات على طريق طويل من التحدي والإصرار.

• صناعة البطل الأولمبي.. قضية وطنية

بصوته الجاد قال:«أنا عضو في اللجنة العلمية لإعداد البطل الأولمبي في لوس أنجلوس 2028، وعضو في اللجنة القومية لوضع دلائل الإرشادات لإصابات العظام، وأرى أن صناعة البطل الأولمبي في مصر ما زالت تواجه تحديات كبيرة، خاصة في الألعاب الفردية التي لا تحظى بنفس الرعاية».

وتابع قائلاً:«كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى، لكنها ليست الطريق للعالمية. الألعاب الفردية تحتاج دعمًا ورعايات حقيقية من الشركات والمؤسسات، لأنها الرافعة الحقيقية لاسم مصر في المحافل الدولية والعالمية».

وكشف أن نادي الصيد لديه أربعة لاعبين مرشحين للفوز بميداليات أولمبية في 2028، مؤكدًا أن النادي، رغم كونه مدنيًا واجتماعيًا، هو أكثر نادٍ مدني في مصر تحقيقًا لميداليات أولمبية، وأنه من أكثر ثلاثة أندية تمثل مصر في البعثات الأولمبية، في ألعاب مثل الرماية، السباحة التوقيعية، السلاح، التايكوندو، والجمباز.

• بصمة إنسان.. ورسالة اب

في نهاية اللقاء، سألته سؤالاً بدا لي صعبًا: كيف تحب أن يتذكرك الناس بعد هذه المسيرة الحافلة؟

نظر بعيدًا، وكأنه يستعيد وجوهًا مرت في حياته، ثم قال بهدوءٍ مفعمٍ بالصدق«أتمنى أن يُقال إن أشرف محرم ساعد الناس لتكون أفضل. علّمني والدي – رحمه الله – أن أترك بصمة إيجابية في كل مكان أدخله».

كانت كلماته الأخيرة أشبه بخاتمة حياةٍ تُروى لا تُكتب.خرجتُ من اللقاء وأنا على يقين أن وراء هذا الاسم الكبير قلبًا بسيطًا مؤمنًا بالخير، وأن الدكتور أشرف محرم ليس مجرد نائب لرئيس مجلس إدارة أو جراح عالمي، بل إنسان يعرف قيمة الأثر، ويعيش ليتركه.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.