dhl
dhl

المقاهي بين الماضي والحاضر من الفناجين النحاس إلى الواي فاي

القاهرة – نهاد شعبان:

تعتبر المقاهي في مصر ليست مجرد أماكن لتناول القهوة أو الشاي، بل هي جزء أصيل من الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المصري، ومرآة لتحولات الحياة في البلاد من العصور القديمة حتى اليوم، فمن فناجين النحاس والدلال النحاسية إلى شاشات الهواتف الذكية وشبكات الواي فاي، شهدت المقاهي المصرية رحلة طويلة عكست تغير الزمن وتطور الإنسان المصري في عاداته وتفكيره وذوقه، ويعود تاريخ المقاهي في مصر إلى العصر العثماني في القرن السادس عشر، حين بدأت القهوة تنتشر في الشرق الأوسط، قادمة من اليمن عبر الحجاز، حتى وصلت إلى القاهرة التي سرعان ما أعطتها طابعا خاصا، فكانت المقاهي في البداية أماكن بسيطة يقصدها التجار والحرفيون بعد يوم عمل طويل لتبادل الأحاديث وشرب القهوة أو الشاي، ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المقاهي مراكز للحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية.في أحياء القاهرة القديمة مثل الحسين والجمالية والسيدة زينب وباب الشعرية، انتشرت المقاهي بشكل لافت، وأخذت تحمل أسماء ذات طابع شعبي أو ديني، كمقهى الفيشاوي، والندوة الثقافية، والحنفي، والزمالك كافيه في العصور اللاحقة، وكان لكل مقهى زبائنه الدائمون الذين يعرفهم صاحب المقهى بالاسم، ويعرف مشروب كل واحد منهم بمجرد جلوسه على الكرسي الخشبي، وكان القهوجي أو صاحب المقهى شخصية أساسية، تجمع بين اللباقة والقدرة على التعامل مع مختلف الناس، فيؤدي دوره كمضيف، ووسيط اجتماعي، وصديق للجميع، أما مقهى الفيشاوي في حي الحسين فهو الأشهر في مصر والعالم العربي.

ويعد من أقدم المقاهي في القاهرة، حيث تأسس عام 1773 ميلادية، وما زال يحتفظ برونقه الشرقي حتى اليوم، وجلس على مقاعده أدباء وشعراء كبار مثل نجيب محفوظ، الذي كان يعتبره مجلسه المفضل، كما كان مقصدا للفنانين والسياح الباحثين عن تجربة مصرية أصيلة، وكانت المقاهي في القرنين التاسع عشر والعشرين بمثابة منتديات فكرية وأدبية، حيث شهدت ميلاد العديد من الحركات الثقافية والسياسية، في مقاهي وسط القاهرة، كان المثقفون يناقشون قضايا الوطن والتحرر والفكر، وكان الأدباء والكتاب يجلسون بالساعات يتبادلون الآراء حول الأدب والفن والمجتمع، والكثير من الصحف والمجلات المصرية انطلقت فكرتها من طاولة مقهى، وكثير من الأعمال الأدبية الخالدة كتبت في أجواء مقاهي مثل ريش وزهرة البستان وإيزافيتش، حتى أن بعض المقاهي كانت تحمل أسماء فنانين أو أدباء أصبحوا رموزا، مثل مقهى نجيب محفوظ في خان الخليلي.في تلك المقاهي كان الحديث هو البطل، وكانت فناجين النحاس رمزا للدفء الاجتماعي، يقدمها القهوجي بابتسامة في أجواء يملؤها دخان الشيشة وصوت الحكايات الشعبية والموسيقى الشرقية، وكانت المقاهي الشعبية في القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد تشبه المسارح المفتوحة للحياة المصرية، فيها يتقابل الغني والفقير، المثقف والعامل، السياسي والمواطن البسيط، في مساحة واحدة تتلاشى فيها الفوارق الاجتماعية، ومع دخول القرن العشرين وتطور التكنولوجيا، بدأت المقاهي تشهد تحولات جوهرية، فقد دخل الراديو إلى المقاهي المصرية في الثلاثينيات، وأصبح الناس يجتمعون لسماع حفلات أم كلثوم أو نشرات الأخبار، ثم جاء التلفزيون ليحول المقاهي إلى صالات جماعية لمشاهدة مباريات كرة القدم والبرامج الجماهيرية، وأصبحت تلك اللحظات جزء من الذاكرة الشعبية، ومع تطور الأثاث والديكور، تحولت بعض المقاهي إلى أماكن راقية تقدم خدمات متنوعة، بينما حافظت أخرى على طابعها الشعبي التراثي، وفي التسعينيات، ظهرت في مصر مقاهي الإنترنت، التي جذبت الشباب وغيرت مفهوم المقهى من ملتقى اجتماعي إلى فضاء رقمي، فأصبح الزبائن يجلسون أمام شاشات الحاسوب، يتصفحون الإنترنت أو يمارسون الألعاب الإلكترونية، ومع انتشار الهواتف الذكية لاحقا، تحولت المقاهي التقليدية نفسها إلى أماكن توفر خدمة الواي فاي، فأصبح المقهى مكانا للعمل أو الدراسة أو حتى عقد الاجتماعات، لا مجرد موقع للتسلية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.