القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
تشهد المنطقة العربية تحولًا لافتًا في علاقتها مع الفضاء، لم تعد مجرد متلقٍ لأخبار الرحلات الفضائية، بل أصبحت شريكًا فاعلًا فيها. وفي مقدمة الدول التي تقود هذه النهضة الفضائية تأتي الإمارات العربية المتحدة، التي تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى بوابة العرب نحو النجوم، بعد أن أصبحت أول دولة عربية تُرسل رواد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية، وتفتح المجال أمام فكرة السياحة الفضائية مستقبلاً.منذ رحلة هزاع المنصوري عام 2019، وهو أول رائد فضاء إماراتي وعربي يصل إلى محطة الفضاء الدولية، ثم تبعتها مهمة سلطان النيادي عام 2023 التي استمرت ستة أشهر في الفضاء، تغيّر المشهد العربي بالكامل. لم تعد فكرة السفر خارج الغلاف الجوي حلمًا علميًا، بل أصبحت جزءًا من رؤية الإمارات الاستراتيجية لتكون مركزًا عالميًا لعلوم الفضاء والتكنولوجيا.ويأتي مركز محمد بن راشد للفضاء في طليعة المؤسسات التي تبني هذا الحلم العربي، من خلال برامج تدريب مستمرة، وتعاون دولي مع وكالات كبرى مثل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية. كما تسعى الإمارات إلى تطوير بنية تحتية تسمح بإطلاق مشاريع سياحة فضائية خاصة خلال العقد المقبل، بالتعاون مع شركات عالمية متخصصة مثل “فيرجن غالاكتيك” و“بلو أوريجن”.وبينما تركّز الإمارات على الجانب العلمي والتقني، فإن الحلم العربي بالوصول إلى الفضاء يتسع أكثر. فقد أعلنت المملكة العربية السعودية أيضًا عن خطط لتدريب وإرسال رواد فضاء سعوديين، من بينهم أول رائدة فضاء عربية، ريانة برناوي، التي شاركت في مهمة علمية إلى محطة الفضاء الدولية عام 2023، ممثلةً جيلاً جديدًا من العرب الحالمين بالنجوم.ويرى خبراء الاقتصاد أن الاستثمار في مجال السياحة الفضائية ليس مجرد مغامرة علمية، بل هو فرصة اقتصادية ضخمة يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للسياحة والتقنية في العالم العربي. فبحسب تقديرات “مورغان ستانلي”، من المتوقع أن تصل قيمة صناعة السياحة الفضائية عالميًا إلى أكثر من مئة مليار دولار بحلول عام 2040، وهو ما يجعل انخراط دول عربية في هذا السباق خطوة ذكية وطموحة.لكن في المقابل، لا تزال هناك تحديات أخلاقية واقتصادية تحيط بهذا المجال، من ارتفاع التكلفة التي قد تجعل السفر إلى الفضاء حكرًا على الأثرياء، إلى تساؤلات بيئية حول أثر إطلاق الصواريخ على الغلاف الجوي. غير أن هذه العقبات لم تمنع الإمارات ودولًا أخرى من المضي قدمًا في طريق الفضاء، مدفوعة برغبة حقيقية في وضع العرب من جديد على خريطة الابتكار الكوني.لقد تغيّر المشهد؛ من تلسكوبات في الصحراء تراقب السماء، إلى روّاد فضاء عرب يحلّقون فوقها.واليوم، ومع استعداد الإمارات لمرحلة السياحة الفضائية، يبدو أن السؤال لم يعد: “هل سنصل إلى الفضاء؟” بل “متى سنحجز أول تذكرة ذهابًا إليه؟”.وربما ما يجعل الحلم الفضائي العربي أكثر تفرّدًا هو أنه لا يقوم على استعراض القوة التقنية فقط، بل على الإيمان بأن الحلم نفسه هو وقود التقدم. فجيل الشباب العربي اليوم لم يعد يكتفي بالنظر إلى السماء والتأمل في نجومها، بل يريد أن يخطو نحوها. كثيرون من طلاب الجامعات في الإمارات والسعودية ومصر والأردن يتابعون برامج الفضاء بشغف، ويحلمون بأن يكونوا جزءًا من أول بعثة عربية إلى المريخ أو محطة فضاء عربية خالصة.هذا الحلم لم يعد بعيدًا كما كان يومًا ما. فكل صاروخ ينطلق من الأرض يحمل معه رسالة مفادها أن الفضاء لم يعد حكرًا على الغرب، وأن في المنطقة العربية عقولًا قادرة على التحليق في أعقد مجالات العلم.إنها لحظة تاريخية جديدة يُعاد فيها تعريف معنى “الرحلة” العربية — من رحلة القوافل في الصحراء، إلى رحلة الإنسان العربي في الفضاء.


