القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
بعد شهورٍ طويلة من القصف والنزوح والدمار، بدأ آلاف الفلسطينيين في شمال قطاع غزة رحلة العودة إلى منازلهم، مستندين إلى الهدوء النسبي الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ منتصف العاشر من أكتوبر. مشهد العودة حمل بين تفاصيله مزيجًا من الألم والأمل؛ فالكثيرون عادوا لا ليجدوا بيوتهم، بل ليبحثوا بين الركام عن ما تبقّى من ذاكرتهم.الاتفاق الذي رعته مصر والأمم المتحدة تضمن بنودًا إنسانية مهمّة أبرزها تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل، وضمان مرور آمن للمدنيين، إلى جانب السماح بدخول المساعدات والإمدادات الطبية والغذائية إلى القطاع. وقد رُحّب بالاتفاق على نطاقٍ واسع دوليًا، فيما اعتبرته الأمم المتحدة “بداية مرحلة جديدة نحو الاستقرار الإنساني والسياسي في المنطقة”.في شوارع شمال غزة، تبدو مشاهد العودة مؤثرة؛ أسر تحمل أطفالها وحقائب صغيرة، ووجوه تملؤها الحسرة والدهشة أمام منازل لم يبقَ منها سوى الأطلال. ومع ذلك، فإن الإصرار على الحياة أقوى من الخوف، فالفلسطينيون الذين اعتادوا الصمود يرون في كل عودة صغيرة نصرًا رمزيًا على الحرب.“عدنا كي نعيش، لا كي نموت ببطء في الخيام” تقول أمّ فلسطينية وهي ترفع علم بلادها فوق جدار مهدّم. كلماتها تختصر قصة آلافٍ عادوا رغم كل شيء، مؤمنين أن الأرض هي الملاذ الأخير مهما اشتدت النيران.من جهتها، أكدت السلطات المصرية أن القاهرة تواصل جهودها لضمان استقرار الهدنة وتثبيت وقف إطلاق النار، مع استمرار تنسيق دخول القوافل الإغاثية عبر معبر رفح الحدودي. بينما أشارت تقارير أممية إلى أن أكثر من 30% من سكان غزة بدأوا العودة التدريجية إلى منازلهم في الأيام الأخيرة، رغم التحذيرات من خطر الذخائر غير المنفجرة في بعض المناطق.وتواصل مصر لعب دور الوسيط المحوري بين الجانبين، حيث يعقد مسؤولون مصريون وسلسلة من الاجتماعات المكثّفة في القاهرة لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق وضمان استمرار الهدوء. كما تعمل الجهات المعنية على تسهيل عمليات نقل الجرحى والمصابين إلى المستشفيات المصرية لتلقي العلاج، في إطار التزام مصر التاريخي بدعم الشعب الفلسطيني في أزماته الإنسانية.من ناحية أخرى، أعربت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن تأييدهما الكامل للهدنة، ودعتا إلى البناء عليها لاستئناف مسار المفاوضات السياسية. وفي المقابل، حذّرت منظمات إنسانية من أن العودة وحدها لا تكفي ما لم تُطلق عملية إعادة إعمار واسعة، تشمل تأهيل المدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه التي تضررت بشكل كبير.أما على الأرض، فما تزال المعاناة الإنسانية حاضرة بقوة؛ فالكثير من العائلات العائدة تواجه نقصًا حادًا في الغذاء والمياه الصالحة للشرب، إلى جانب ضعف الخدمات الطبية في المناطق الشمالية. ومع ذلك، يستمر الأهالي في محاولاتهم لإصلاح ما يمكن إصلاحه، ويقوم بعض المتطوعين بإزالة الأنقاض وفتح الطرق الرئيسية لتمكين عودة مزيد من السكان.ورغم كل الألم والدمار، فإن العودة إلى الشمال تحمل معنى أكبر من مجرد الرجوع إلى البيت؛ إنها عودة إلى الكرامة، إلى الإحساس بالانتماء، إلى الوطن الذي لا ينهزم مهما حاولوا محوه من الخرائط. فحتى بين الحجارة المهدّمة، يزرع الفلسطينيون بذور الحياة من جديد.


