القاهرة – نهاد شعبان:
في معظم الدول العربية وخاصة في مصر مع قدوم فصل الشتاء ودرجات الحرارة المتقلبة، تعود نزلات البرد والإنفلونزا الموسمية لتفرض نفسها على الناس، فتستيقظ في القلوب ذكريات طقوس قديمة وحديثة، متوارثة أو مستحدثة، يتحول بها الكوب الساخن والكمامة من أدوات يومية إلى عادات للوقاية والسلامة، فمنذ الصباح الباكر، تبدأ الحياة المنزلية بوضع كوب شاي أعشاب أو شاي زنجبيل أو حتى ماء دافئ مع ليمون، الكبار في الأسرة، خاصة الأمهات والجدات يصرون على ذلك، مؤمنين بأن الحرارة والخصائص الطبيعية مثل الزنجبيل والليمون والثوم تخفف من أعراض البرد، إن لم تمنع الإصابة أصلا، هذا المشروب الدافئ يعمل لدى كثيرين كوقاية أولية من الانفلونزا قبل أن تسمع الأعراض بل كطقس يومي مع أول نسمة برد.
وفي الأحياء الشعبية، تجد من يضيف الحمام الدافئ أو البخار إلى قائمة هذه الوسائل، الذهاب إلى العطارة لشراء خلطة توضع في ماء البخار أو تسخينها واستنشاقها، هذه العادات تتداخل مع الموروث الشعبي، فهناك من يقول إن تبخير الأنف والفم ببخار الأعشاب المعدة في المنزل لها تأثير مهدئ ويساعد في تنقية المجرى التنفسي من البلغم، وأحيانا تضاف إليها نسائم من ملابس الشتاء كالمعاطف الثقيلة، والشرابات لتدفئة الجسم، لأن الشعور بالبرد يعتبر مسهلا للإنفلونزا في الثقافة الشفوية، ومع ظهور فيروس كورونا، ارتفع وعي المواطنين بموضوع الكمامات، فتحولت الكمامة من ضرورة طبية إلى مكون أساسي في الطقوس اليومية لمواجهة أي نزلة برد أو إنفلونزا، وأصبح الكثير من المصريين الآن إذا شعروا بسيلان أنف بسيط أو عطسة، يضعون الكمامة ليس فقط لتجنب العدوى للآخرين وإنما أيضا كوسيلة نفسية للشعور بالأمان، كما أن وزارة الصحة أيضا تنصح باستخدام الكمامة عند التواجد في أماكن مغلقة أو مزدحمة، خاصة إذا كان هناك أعراض تنفسية، وهذا الترابط بين القديم والجديد أو بالأحرى ما بين الكوب الساخن والكمامة ليس فقط وسيلة طبية، بل تعبير ثقافي فعلى سبيل المثال، هناك من لا يذهب للعمل أو يلغي الخروج حتى يقضي وقتا كافيا وهو يرتدي الكمامة والكوفية أو وشاحا حول الرقبة، محافظا على دفء الصدر والحنجرة، وهناك من يخشى أن يساء فهمه إذا خرج دون وسيلة حماية ظاهرية وهي الكمامة رغم أن الغرض منها كان دوما الوقاية من المرض، كما تؤكد إرشادات وزارة الصحة أن التدفئة الجيدة للجسم، أو اختيار الملبس المناسب، والابتعاد عن أماكن البرد والرطوبة والمياه المثلجة، كلها إجراءات مساعدة في تقليل فرص الإصابة، إلى جانب غسل اليدين واستخدام المطهرات، وتلقي لقاح الإنفلونزا الموسمية.لكن هذه الطقوس مازالت حتى الأن تواجه العديد من الصعوبات حيث أن البعض يرفض ارتداء الكمامة لأسباب تتعلق بالمظهر الاجتماعي، أو الخوف من وصمة اجتماعية، أو البساطة الزائدة والشك في فعاليتها عند بعض الناس، كذلك العادات القديمة، كأن يشرب المريض مشروبات ساخنة بكثرة أو يستخدم الحمى العلاجية الشعبية، تشكل مزيجا بين الفائدة والمغالاة، فقد تؤذي إن لم تمارس بحذر، كما أن الاعتماد على أن الكوب الساخن علاجا اعتقاد خاطئ فهو ليس علاجا معتمدا طبيا لوحده، لكنه قد يسهم في تخفيف الأعراض ويعزز الشعور بالراحة، ويؤكد العديد من الأطباء أن المناعة الذاتية والجهاز المناعي يحاربان الفيروس، وأن التغذية السليمة، والنوم الجيد، واللقاح هم الأعمدة الرئيسية للوقاية من فيروس الإنفلونزا الموسمية.




