القاهرة – نهاد شعبان:
شهدت حديقة الفسطاط بحي مصر القديمة رحلة تحول كبرى أعادت إليها الحياة بعد سنوات من الإهمال والعشوائية، لتصبح اليوم أحد أهم المشاريع البيئية والحضارية في قلب القاهرة، فهذه الحديقة التاريخية التي كانت في الماضي مهد المدينة الأولى في مصر الإسلامية، كانت لسنوات طويلة تعاني من التدهور حيث تحولت مساحاتها الخضراء إلى أراضي مهملة، وانتشرت حولها العشوائيات والمخلفات، وغابت عنها الخدمات والمرافق الأساسية، لكن مع إطلاق مشروع حدائق تلال الفسطاط تغير المشهد تماما، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الجمال والتنظيم، حيث يقع المشروع في موقع فريد يربط بين بحيرة عين الصيرة ومتحف الحضارة وجامع عمرو بن العاص ومجمع الأديان، أي في قلب القاهرة التاريخية، حيث تتجاور العصور الفرعونية والقبطية والإسلامية والحديثة في مشهد واحد يعكس روح مصر، ويمتد المشروع على مساحة تقارب 500 فدان، ما يجعله من أضخم مشاريع التطوير الحضري في الشرق الأوسط، وقد أُطلق المشروع برعاية الدولة ممثلة في الجهاز المركزي للتعمير وصندوق التنمية الحضرية، ضمن خطة شاملة لإحياء القاهرة التاريخية وتطوير المناطق المحيطة بها.
لم يكن التطوير مجرد عملية تجميلية أو تشجير بسيط، بل مشروع متكامل يجمع بين البعد التاريخي والبيئي والثقافي والاقتصادي، ففي الجانب الثقافي تم العمل على إحياء الطابع التراثي للمنطقة، واستعادة ملامح المدينة القديمة من خلال الحفاظ على ما تبقى من الحفريات الأثرية وإعادة رسم المسارات التاريخية التي كانت تربط بين أحياء الفسطاط الأولى، كما جرى تصميم الحدائق بحيث تعكس ملامح العصور المختلفة التي مرت بها مصر، من الفرعوني إلى الإسلامي وحتى الحديث، لتكون الحديقة متحفا مفتوحا يروي تاريخ البلاد عبر الطبيعة والعمارة، أما الجانب البيئي، فقد حظي باهتمام خاص حيث تضاعفت المساحات الخضراء داخل الحديقة وتم إنشاء تلال خضراء توفر منظرا بانوراميا يطل على معالم القاهرة التاريخية، كما روعي في التصميم الاعتماد على أنظمة ري مستدامة باستخدام المياه الجوفية، مع توظيف الطاقة الشمسية في الإضاءة والمرافق العامة، وتقليل المباني الخرسانية لصالح المساحات المفتوحة والنباتات، وبهذا أصبحت الحديقة نموذجا للتنمية المستدامة في بيئة حضرية مزدحمة مثل القاهرة، ولأن الحديقة تستهدف أن تكون متنفسا عاما ومقصدا ترفيهيا، فقد تم تزويدها بممرات للمشي والجري وركوب الدراجات، وأماكن مخصصة للعائلات والأطفال، ومسرح مفتوح للعروض والفعاليات الثقافية، إضافة إلى مناطق للحرف التقليدية والمطاعم والمقاهي والفنادق الصغيرة، بذلك أصبحت الفسطاط الجديدة تجمع بين الجمال الطبيعي والترفيه والثقافة في مكان واحد، يخدم المواطن العادي كما يجذب الزائر الأجنبي.ومن الناحية الاقتصادية، يعد المشروع ركيزة أساسية لتنشيط السياحة في القاهرة التاريخية، حيث يربط المعالم الأثرية ببنية تحتية حديثة تسهل على الزوار التنقل والاستمتاع بالمكان، كما أسهم المشروع في توفير مئات فرص العمل أثناء مرحلة الإنشاء، ومن المتوقع أن يوفر مزيدا من فرص التشغيل الدائمة في مجالات السياحة والخدمات والصيانة، إلى جانب ذلك، فإن الأسواق التراثية التي يجري إنشاؤها داخل الحديقة ستوفر متنفسا للحرفيين وأصحاب الصناعات اليدوية، ما يضمن استدامة اقتصادية للمشروع وسكان المنطقة المحيطة، ورغم كل هذه الإيجابيات، واجه المشروع عدة صعوبات كبيرة، أبرزها إزالة العشوائيات التي كانت تحيط بالمنطقة لسنوات طويلة، وهي خطوة تطلبت معالجة اجتماعية واقتصادية دقيقة لضمان حقوق الأهالي وتوفير بدائل سكنية ملائمة، كما مثل التمويل أحد العقبات نظرا لضخامة المشروع الذي يحتاج إلى استثمارات مستمرة للحفاظ على مستواه وجودة خدماته، كذلك كان الحفاظ على الطابع التاريخي تحديا آخر، حيث كان لا بد من تنفيذ التصميمات الحديثة بطريقة تحترم روح المكان القديم دون أن تشوهه.




