القاهرة – نهاد شعبان:
في كل صباح حين تفوح رائحة القهوة من المقاهي والمنازل، لا يخطر ببال الكثيرين أن وراء هذا الفنجان الصغير رحلة طويلة تبدأ من حبة صغيرة تزرع في التربة، مرورا بمراحل من الرعاية والحصاد والتحميص، وصولا إلى كوب يبعث الدفء في القلوب، وبينما ارتبطت زراعة البن تقليديا ببلدان مثل إثيوبيا والبرازيل واليمن، فإن مصر بدأت تخطو خطوات جادة نحو دخول عالم إنتاج البن محليا، في تجربة تحمل طموحا كبيرا لإحياء زراعة البن المصري على أرضها، فمنذ قرون ارتبط المصريون بالقهوة ارتباطا وثيقا، حتى أصبحت جزءا من الطقوس اليومية والهوية الثقافية، ولا يخلو بيت مصري من فنجان القهوة، سواء في الصباح قبل العمل، أو في المناسبات الاجتماعية، أو حتى في لحظات الحزن والانتظار، وقد كانت القهوة في البداية مشروب النخبة والعلماء والمتصوفة، قبل أن تنتشر بين عامة الناس، لتصبح اليوم المشروب الأكثر استهلاكا بعد الشاي في مصر.ورغم أن القهوة كانت دائما تستورد من الخارج، فإن الفكرة التي كانت تعد مستحيلة يوما أصبحت ممكنة، بعد أن بدأ عدد من المزارعين والباحثين في تجارب زراعة البن داخل الأراضي المصرية، خصوصا في محافظات مثل جنوب سيناء والبحر الأحمر وأسوان، حيث تتشابه الظروف المناخية مع بيئات زراعته في موطنه الأصلي، وتعود أولى المحاولات الجادة إلى ما يقرب من عشر سنوات، حين أطلقت وزارة الزراعة بالتعاون مع مركز البحوث الزراعية تجربة لزراعة البن العربي في مناطق ذات مناخ حار ورطب نسبيا، وتم استيراد شتلات البن من إثيوبيا واليمن لاختبار مدى توافقها مع التربة المصرية.
من جانبه، يقول الدكتور حسن منصور، الباحث في معهد بحوث البساتين:” زرعنا أول شتلات البن في وادي الدوم وجنوب سيناء، كانت التربة صعبة والمناخ قاس، لكن النتائج الأولية كانت مبشرة جدا، البن نبات حساس يحتاج إلى ظل وحرارة معتدلة، وبفضل نظم الري الحديثة بدأنا نحصل على أول محصول تجريبي بعد ثلاث سنوات”، مضيفا أن :” الهدف ليس منافسة الدول المنتجة، بل خلق تجربة مصرية خالصة تساهم في تقليل الاستيراد ودعم الاقتصاد المحلي”، وتابع:” تبدأ القصة ببذرة صغيرة تزرع في تربة غنية، تحتاج إلى عناية دقيقة ومياه نقية وري منتظم، وبعد نحو عامين إلى ثلاثة أعوام، تظهر أولى الثمار بلونها الأخضر الذي يتحول تدريجيا إلى الأحمر القاتم، ثم يأتي موسم القطاف اليدوي، حيث تجمع الحبوب بحذر للحفاظ على جودتها، بعدها تغسل الحبوب وتجفف تحت أشعة الشمس، ثم تزال قشرتها الخارجية لتصبح ما يعرف بالبن الأخضر، وهو المرحلة التي تباع فيها الحبوب للتجار أو مصانع التحميص”.وأوضح الدكتور حسن منصور لـ”وكالة الإعلام العربية”، في القاهرة والإسكندرية ومدن الدلتا، تتولى محامص القهوة مهمة تحويل الحبة الخضراء إلى اللون البني الداكن الذي نعرفه، وتتم عملية التحميص بدرجات مختلفة تبعا للذوق، فهناك التحميص الفاتح الذي يحافظ على نكهة البن الأصيلة، والتحميص الغامق الذي يعطي الطعم القوي والرائحة النفاذة التي يفضلها المصريون، وفي مناطق مثل حلايب وشلاتين ووادي النطرون وسفاجا، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مزارع تجريبية صغيرة لإنتاج البن، حيث قال المزارع عبدالرحيم علي، من جنوب سيناء، أحد الرواد في هذه التجربة :” بدأت بزراعة فدان واحد كاختبار، ومع الوقت اكتشفت أن البن ممكن يعيش في أرضنا، الفكرة كانت غريبة للناس، لكن لما شافوا المحصول بدأوا يسألوني إزاي يزرعوه”، مضيفا أن العائد الاقتصادي واعد، لأن البن سلعة مرتفعة السعر وسريعة التسويق، خاصة إذا كانت ذات جودة عالية، فكل كيلو بن مصري ينتج من الأرض يوفر استيرادا ويخلق فرص عمل جديدة في الزراعة والتحميص والتوزيع.




