dhl
dhl

السد العالي حصن مصر المائي وإنجاز عبد الناصر الخالد

القاهرة – نهاد شعبان:

يعتبر السد العالي أحد أعظم المشروعات الهندسية في القرن العشرين، ورمزا خالدا لإرادة المصريين في مواجهة التحديات وتحقيق الاستقلال الوطني الحقيقي، فمنذ افتتاحه في عام 1971، ظل هذا الصرح العظيم شاهدا على حقبة تاريخية فارقة، جمعت بين الحلم الوطني والإرادة السياسية والعلمية التي تجسدت في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، فمنذ فجر التاريخ، ارتبط نهر النيل بحياة المصريين ارتباطا وثيقا، فهو شريان الحياة الذي منح البلاد الزراعة والاستقرار والحضارة، لكن النيل رغم عطائه، كان يمثل خطرا دائما بسبب فيضاناته المدمرة في بعض الأعوام وجفافه القاتل في أعوام أخرى، لذلك راودت فكرة إنشاء سد ضخم يمكنه التحكم في مياه النيل عقول المهندسين والمخططين منذ القرن التاسع عشر، لكن تحقيق الحلم ظل بعيد المنال حتى جاء عهد ثورة يوليو 1952، حيث تبنى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر المشروع كأولوية قومية لإنقاذ البلاد من تقلبات النهر وتأمين مستقبلها المائي والزراعي.في عام 1954 بدأ التفكير الفعلي في المشروع، وبعد دراسات دقيقة شارك فيها خبراء مصريون وسوفيت، تم اختيار موقع السد في مدينة أسوان جنوب مصر، حيث تضيق مجرى النيل بين الجبال، لكن المشروع واجه عقبات سياسية واقتصادية كبرى، أهمها رفض الولايات المتحدة والبنك الدولي تمويله بعد أن رفض عبد الناصر الانصياع للشروط السياسية الغربية، وحينها قرر الزعيم المصري خوض التحدي بمفرده، وأمم شركة قناة السويس في يوليو 1956 لتوفير التمويل اللازم للمشروع من عائدات القناة، في خطوة جسدت الكرامة الوطنية والإرادة المستقلة، وجاء الدعم بعد ذلك من الاتحاد السوفيتي الذي قدم القروض والخبرات الفنية، وبدأ تنفيذ المشروع العملاق عام 1960 بمشاركة آلاف المهندسين والعمال المصريين.

ويبلغ طول السد العالي نحو 3.6 كيلومتر، وارتفاعه 111 مترا، وعرض قاعدته أكثر من 900 متر، وقد استخدم في بنائه 43 مليون متر مكعب من الخرسانة، وأنشئ خلف السد بحيرة ناصر، وهي من أكبر البحيرات الصناعية في العالم، تمتد لمسافة تزيد على 500 كيلومتر داخل مصر والسودان، وتخزن أكثر من 162 مليار متر مكعب من المياه، ولم يكن السد مجرد منشأة هندسية، بل كان درعا واقيا لمصر من أخطار الطبيعة، إذ وفر السيطرة الكاملة على مياه النيل، ومنع الفيضانات المدمرة التي كانت تذهب بأرواح الآلاف وتتلف المحاصيل، كما ضمن وجود احتياطي مائي كاف خلال سنوات الجفاف، وهو ما أنقذ مصر أكثر من مرة خلال العقود الماضية، ومن أعظم إنجازات السد العالي أنه وفر لمصر الكهرباء اللازمة للتنمية في فترة كان فيها الاقتصاد في طور البناء، فمحطة توليد الكهرباء بالسد تعد من أكبر المحطات في الشرق الأوسط، وتنتج ما يقرب من 10 مليارات كيلووات/ساعة سنويا، مما ساهم في إنارة القرى والمصانع وتشغيل مشاريع الري والزراعة والصناعة.كما أسهم السد العالي في توسيع الرقعة الزراعية من خلال تنظيم الري على مدار العام بدلا من الزراعة الموسمية، فتمت زراعة مساحات جديدة في الصعيد والدلتا، وزادت إنتاجية الأرض الزراعية بفضل انتظام تدفق المياه، كما مكن الدولة من إقامة مشروعات استصلاح أراضي جديدة، وأتاح الاستفادة من الطمي المترسب في بحيرة ناصر كمصدر للأسمدة الطبيعية، ولم يكن بناء السد العالي مهمة سهلة، فقد تطلب جهدا كبيرا وتضحيات جسيمة، فمع بدء المشروع، تم تهجير سكان النوبة إلى مناطق جديدة بعد أن غمرت مياه البحيرة قراهم القديمة، في واحدة من أكبر عمليات إعادة التوطين في التاريخ المصري الحديث، ورغم الصعوبات ظل المصريون يعتبرون السد رمزا للفخر الوطني والإنجاز الجماعي الذي تحقق بإرادة الشعب وقيادته.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.