القاهرة – نهاد شعبان:
في السنوات الأخيرة، ازدادت ظاهرة لافتة أثارت القلق والرعب داخل المجتمع وهي ارتكاب الأطفال جرائم عنف تتراوح بين الضرب والإيذاء الجسدي وتصل في معظم الأحوال إلى القتل، وهذه الظاهرة غير المألوفة تدفع للتساؤل: كيف يتحول الطفل الذي من المفترض أن يكون رمز البراءة، إلى شخص يمارس سلوكا عدوانيا أو إجراميا؟ وهنا أوضح أطباء علم النفس والاجتماع أن وراء هذه الحالات خليطا معقدا من العوامل النفسية والتربوية والاجتماعية التي تتفاعل معا لتنتج سلوكا منحرفا في سن مبكرة، حيث يقول الدكتور أحمد عبدالعزيز، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، إن:” السلوك العنيف لدى الطفل لا ينشأ فجأة، بل هو نتاج سلسلة من المؤثرات التي تبدأ منذ السنوات الأولى من حياته، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يكثر فيها الصراخ والعقاب الجسدي والإهمال العاطفي، يعتاد رؤية العنف كوسيلة مشروعة للتعبير عن الغضب أو الحصول على ما يريد”، مضيفا أن الطفل يتعلم من خلال التقليد والملاحظة، فإذا رأى والده يضرب والدته أو يستخدم القوة لحل مشكلاته، فإنه يستنتج أن العنف وسيلة طبيعية لتحقيق السيطرة أو الدفاع عن النفس.
ومن جانبها أوضحت الدكتورة منة خالد، خبيرة علم نفس الأطفال، لـ”وكالة الإعلام العربية” أن بعض الأطفال الذين يرتكبون جرائم عنف يعانون من اضطرابات في الشخصية أو خللا في النمو العاطفي والاجتماعي، مشيرة إلى أن الطفل في السنوات الأولى يحتاج إلى الشعور بالأمان والانتماء، فإذا لم يجد هذا الإحساس في أسرته، يبدأ في البحث عنه بطرق أخرى، أحيانا عبر تكوين صداقات منحرفة أو الانضمام إلى مجموعات تمجد القوة والعنف، مضيفة أن غياب القدوة الإيجابية يجعل الطفل أكثر عرضة لتبني سلوكيات خاطئة، ويؤكد الأطباء أن الإعلام والتكنولوجيا الحديثة تلعب دورا متزايدا في تشكيل السلوك العدواني لدى الأطفال، حيث أن الألعاب الإلكترونية التي تمتلئ بمشاهد القتل والدماء، وأفلام الأكشن التي تقدم العنف في صورة بطولية، تجعل الطفل يرى أن استخدام القوة أمر بطولي أو ممتع، ومع ضعف الرقابة الأسرية، يقضي الطفل ساعات طويلة في عالم افتراضي مليء بالعنف، مما يجعله يفقد تدريجيا الإحساس بخطورة الأفعال العدوانية في الواقع.ومن العوامل المهمة أيضا في التأثير على الطفل وجعله عنيفا هي الفقر والتفكك الأسري، فالأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة أو مضطربة أكثر عرضة لتبني السلوك العدواني نتيجة الإحباط والشعور بالنقص، حيث أكد الدكتور طارق محمود، أخصائي علم الاجتماع، أن غياب أحد الوالدين أو تفكك الأسرة يخلق فراغا عاطفيا كبيرا، يعوضه الطفل بمحاولات للفت الانتباه أو فرض السيطرة، وفي بعض الأحيان، يتحول هذا السلوك إلى عنف تجاه الآخرين، سواء في المدرسة أو الشارع، مضيفا أن انعدام الحوار الأسري وتجاهل مشاعر الطفل يجعله يكبت غضبه حتى ينفجر في صورة سلوك عدواني، كما يشير بعض الخبراء إلى أن العوامل البيولوجية قد تكون لها دور أيضا، مثل اضطرابات في الجهاز العصبي أو مشكلات في كيمياء الدماغ تؤثر على التحكم في الانفعالات، وفي مثل هذه الحالات، يحتاج الطفل إلى علاج نفسي وطبي مبكر لتصحيح السلوك قبل أن يتحول إلى نمط دائم، وتؤكد الدراسات أن بعض الأطفال الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ADHD أو اضطراب السلوك المعادي للمجتمع Conduct Disorder هم أكثر عرضة لممارسة العنف إذا لم يتلقوا الرعاية المناسبة.





