القاهرة – نهاد شعبان:
في الوقت الذي تتزايد فيه المخلفات وتقل فيه الموارد، ظهر اتجاه جديد يجمع بين الإبداع والحفاظ على البيئة، يعمل على إعادة التدوير الفني، فبدلا من أن نلقي الخردة والمواد القديمة في القمامة، أصبحت بين أيدي الفنانين كنزا من الأفكار، تتحول إلى مجسمات وتحف فنية تبهر العين، وهذا الفن الذي يجمع بين الجمال والاستدامة أصبح لغة عالمية تعبر عن وعي جديد لدى الشباب والفنانين والهواة، ممن يسعون إلى تحويل ما هو مهمل إلى إبداع فني، ويتم تعريف فن إعادة التدوير بأنه عملية استخدام المواد المهملة أو القديمة وإعادة توظيفها بطريقة فنية مبتكرة، قد تكون هذه المواد قطع معدنية صدئة، أو أجزاء من السيارات القديمة، أو أدوات منزلية مكسورة، أو حتى أغطية الزجاجات والأسلاك، وبلمسة من الخيال والمهارة، تتحول تلك الأشياء إلى منحوتات فنية أو ديكورات منزلية أو مجسمات رمزية تحمل قصصا ورسائل.
كما أن إعادة التدوير ليست مجرد وسيلة للتعبير الفني، بل هي رسالة بيئية وإنسانية، فالعالم اليوم يواجه أزمة نفايات ضخمة، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ملايين الأطنان من المخلفات المعدنية والبلاستيكية يتم إلقائها سنويا دون إعادة استخدام، ومن هنا جاء دور الفن كقوة ناعمة لتغيير الوعي، فحين يرى الناس تحفا جميلة مصنوعة من بقايا أدوات مطبخ أو قطع سيارات مهترئة، يدركون أن النفايات ليست نهاية دورة الحياة، بل يمكن أن تكون بداية جديدة للإبداع، كما تسهم هذه الأعمال في نشر ثقافة الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة استخدام الموارد وتقليل الفاقد، وهو أحد أهم توجهات التنمية المستدامة في العالم اليوم، وفي السنوات الأخيرة، بدأت تنتشر في العديد من المدن العربية ورش إعادة التدوير الفني، خاصة بين الشباب والطلبة، فمثلاً، في القاهرة والإسكندرية ظهرت مبادرات مثل من الخردة فن وفننا من نفاياتنا، حيث يجتمع الفنانون والهواة لصنع مجسمات من الحديد والخشب والبلاستيك المستعمل.وفي داخل إحدى الورش الجامعية، استخدم مجموعة من الطلاب أجزاء من دراجات قديمة لصنع مجسم على شكل حصان معدني بالحجم الطبيعي، عرضوه في ساحة الكلية وأصبح محط إعجاب الجميع، حيث قالت سارة علاء، طالبة بكلية الفنون الجميلة:” بدأنا المشروع بهدف التوعية البيئية، لكن مع الوقت أدركنا أن الفن يمكن أن يغير نظرة الناس إلى الأشياء المهملة، ما كان قمامة بالأمس صار اليوم قطعة فنية تزين المكان”، مضيفة أنه:” مع تزايد الوعي البيئي، أصبحت التحف والمجسمات المصنوعة من مواد معاد تدويرها مطلوبة في الأسواق، خاصة في المعارض الفنية ومحلات الديكور، فبعض الفنانين استطاعوا تحويل هوايتهم إلى مصدر دخل، من خلال بيع أعمالهم عبر الإنترنت أو في المعارض”، كما بدأت بعض الشركات الصغيرة تستفيد من هذه الفكرة تجاريا، فأنشأت خطوط إنتاج لتحف وإكسسوارات منزلية مصنوعة من المخلفات، وهذه المشروعات لا تدر أرباحا فقط، بل تساهم في تقليل التلوث وتوفير فرص عمل جديدة.وهناك نماذج عديدة لفنانين استطاعوا تحويل الخردة لمجسمات وتحف فنية من أهمهم الفنان البريطاني جون سميث والذي صنع تماثيل ضخمة من قطع السيارات القديمة وعرضها في الساحات العامة، أما في البرازيل، فقد استخدمت الفنانة فيك مونيز نفايات مكبّات القمامة في لوحاتها الضخمة التي نالت جوائز عالمية، هذه النماذج ألهمت فنانين عربا لتجربة الفكرة محليا، فشهدنا أعمالا فنية مبهرة مصنوعة من المعادن المستعملة والزجاج المكسور والخشب التالف، ورغم انتشار الفكرة، لا يزال فن إعادة التدوير يواجه عدة صعوبات، أهمها نقص الدعم المالي وصعوبة الحصول على المواد المناسبة أو أماكن للعرض، كما يواجه الفنانون أحيانا نظرة سطحية تقلل من قيمة هذا الفن باعتباره مجرد أعمال من المخلفات.استخدم رمز “التعديل” لتثبيت المقاطع أو إضافتها أو حذفها.




