القاهرة – نهاد شعبان:
يقولون إن الضحك دواء القلب، لكن هل يمكن للضحك أن يكون علاجا حقيقيا مثل الدواء؟ سؤال ربما يبدو بسيطا، لكنه أثار اهتمام الأطباء والعلماء في أنحاء العالم، فبينما نعتبر الضحك تعبيرا عن الفرح أو التسلية، تشير دراسات علمية متزايدة إلى أن له فوائد صحية ونفسية حقيقية، تجعله أحد العلاجات الطبيعية الأكثر أمانا وتأثيرا، فمنذ عقود بدأ العلماء يدرسون العلاقة بين الضحك والصحة، بعد ملاحظات طبية لمرضى تحسنت حالتهم النفسية والجسدية بمجرد مشاهدتهم أفلامًا كوميدية أو تفاعلهم في جلسات ضحك جماعية، حيث يقول الطبيب الأمريكي نورمان كوزينز، الذي يعد رائد العلاج بالضحك، في تجربته الشهيرة عام 1964:” اكتشفت أن عشر دقائق من الضحك الصادق كان لها تأثير مسكن يفوق المورفين”، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت العلاج بالضحك Laughter Therapy ممارسة معترفا بها في بعض المستشفيات ومراكز العلاج النفسي، حيث يستخدم الضحك كأداة لتحسين المناعة، وتقليل التوتر، وتعزيز جودة الحياة.
فالضحك ليس مجرد صوت أو حركة وجه، بل تفاعل جسدي وكيميائي معقد يشارك فيه المخ، والجهاز العصبي، والعضلات، والهرمونات، فحين نضحك، يفرز الدماغ مواد تعرف باسم الإندورفينات، وهي الهرمونات المسئولة عن الشعور بالسعادة وتخفيف الألم، كما ينخفض مستوى الكورتيزول، وهو الهرمون المرتبط بالتوتر والقلق، وفي الوقت نفسه، يتسارع معدل ضربات القلب والتنفس أثناء الضحك، مما يحفز الدورة الدموية ويزيد من تدفق الأكسجين إلى الدماغ والأنسجة، وبعد انتهاء الضحك، يدخل الجسم في حالة استرخاء عميق تشبه تأثير جلسة التأمل أو التنفس العميق، وتشير دراسات علمية إلى أن الضحك المنتظم يمكن أن يحقق مجموعة من الفوائد، منها تعزيز المناعة، حيث يزيد الضحك من إنتاج الخلايا المناعية والأجسام المضادة، مما يرفع مقاومة الجسم للأمراض، كما يعمل على خفض ضغط الدم، فأثناء الضحك، تتمدد الأوعية الدموية، مما يحسن تدفق الدم ويقلل من ضغط الدم المرتفع.كما يعمل الضحك على تحسين صحة القلب، حيث أظهرت دراسات أن الأشخاص الذين يضحكون كثيرا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب بنسبة تصل إلى 40%، ويعمل على تسكين الألم، فالإندورفينات التي يفرزها الضحك تعمل كمخدر طبيعي، تقلل الإحساس بالألم الجسدي والنفسي، ويحسن من الحالة النفسية، حيث أن الضحك يقلل من أعراض الاكتئاب والقلق، ويعزز الإحساس بالأمل والتفاؤل، ويعمل على تحسين العلاقات الاجتماعية، فالضحك الجماعي يقوي الروابط بين الناس، ويخلق شعورا بالانتماء والقبول، وفي اليابان والهند وأوروبا، انتشرت نوادي الضحك Laughter Clubs، وهي تجمعات يمارس فيها المشاركون تمارين ضحك جماعية بإشراف مدربين متخصصين، وتبدأ الجلسة عادة بتمارين تنفس عميق، ثم ينتقل الجميع إلى ضحك مصطنع سرعان ما يتحول إلى ضحك حقيقي، وقد أظهرت نتائج هذه التجارب تحسنا ملحوظا في الحالة النفسية والمناعية للمشاركين، خصوصا كبار السن ومرضى السرطان أو الأمراض المزمنة.وفي بعض المستشفيات، أصبح الضحك العلاجي جزءا من برامج التأهيل، حيث يزور المهرجون الطبيون الأطفال المرضى في الأقسام لمساعدتهم على التغلب على الألم والخوف، وقد يبدو من الصعب الضحك في الأوقات الصعبة، لكن علماء النفس يؤكدون أن الضحك لا ينفي الحزن، بل يساعدنا على تجاوزه، فهو يخفف التوتر، ويمنحنا مساحة للتنفس وسط الضغوط اليومية، حتى في أحلك الظروف، قد تكون النكتة أو الابتسامة وسيلة للتكيف النفسي، ففي المجتمعات التي مرت بأزمات أو حروب، لعب الفكاهيون والمسرح الساخر دورا مهما في رفع المعنويات وتحفيز الأمل، ومن منظور علم النفس الإيجابي، مجرد الابتسام -حتى وإن لم يكن نابعا من مشاعر حقيقية – يمكن أن يحفز الدماغ على إفراز مواد كيميائية مرتبطة بالسعادة، فيما يعرف بنظرية التغذية الراجعة للوجه، أي أن الوجه المبتسم يرسل إشارة إلى المخ تقول أنا سعيد، فيبدأ الجسم في الاستجابة فعلا لتلك الحالة، لذلك، ينصح الخبراء بجعل الابتسام عادة يومية، حتى لو لم يكن هناك سبب مباشر للضحك، لأن العقل يتأثر بالجسد كما يتأثر الجسد بالعقل.




