القاهرة – أميرة المحمدي:
في العاصمة البلجيكية بروكسل، التأمت في الثاني والعشرين من أكتوبر 2025 أول قمة رسمية بين مصر والاتحاد الأوروبي، في خطوة وُصفت بأنها مرحلة جديدة في مسار العلاقات بين الجانبين. القمة، التي جمعت قادة الاتحاد الأوروبي والرئيس المصري، تناولت ملفات حيوية تتصدرها التعاون الاقتصادي، وإدارة الهجرة، والأمن الإقليمي، والوضع الإنساني في غزة، وسط سياق دولي معقّد وتحديات متشابكة في المنطقة.تأتي هذه القمة بعد شهور من مشاورات مكثفة لإعادة صياغة العلاقة بين القاهرة وبروكسل على أسس أكثر شمولاً واستدامة.
فبينما ينظر الاتحاد الأوروبي إلى مصر باعتبارها شريكًا محوريًا في ضبط الهجرة ومكافحة الإرهاب وضمان استقرار جنوب المتوسط، ترى القاهرة في هذه الشراكة فرصة استراتيجية لتعزيز الاستثمارات الأوروبية وتوسيع نطاق التعاون التجاري والتكنولوجي، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والموانئ الذكية.وقد أسفر اللقاء عن بيان مشترك يؤكد التزام الطرفين بتطوير شراكة “شاملة وعادلة” تشمل مجالات الاقتصاد والتعليم والطاقة والمياه، مع التركيز على دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل تدفق الاستثمارات الأوروبية إلى السوق المصرية. كما تم الاتفاق على آلية جديدة لمتابعة تنفيذ المشروعات الثنائية، وتوسيع التعاون في مجال التعليم العالي وبرامج التبادل الأكاديمي.
غير أن هذه القمة، رغم أهميتها السياسية والاقتصادية، لم تخلُ من الانتقادات. فقد حذّرت منظمات حقوقية أوروبية ودولية من أن البيان المشترك تجاهل الإشارة الواضحة إلى قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان، وهو ما اعتبرته تلك الجهات مؤشراً على أن المصالح الأمنية والهجرة قد طغت على البُعد الحقوقي في صياغة الشراكة.هذا التوتر بين الواقعية السياسية والمبادئ الحقوقية يعكس معضلة أوسع يعيشها الاتحاد الأوروبي في علاقاته مع دول الجنوب، إذ يجد نفسه مضطرًا للتوازن بين حماية حدوده وتعزيز الاستقرار، وبين التزامه المعلن بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
بالنسبة لمصر، فإن توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي يحمل بعدًا اقتصاديًا حاسمًا في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا مالية وارتفاعًا في تكاليف الاستيراد وتحديات متعلقة بسعر العملة.
ومن ثم فإن تعميق التعاون مع أوروبا يوفّر متنفسًا اقتصاديًا مهمًا من خلال زيادة الاستثمارات ودعم برامج التنمية والبنية التحتية.لكن في المقابل، يُثير الاعتماد المفرط على الدعم الأوروبي تساؤلات حول مدى استقلال القرار الاقتصادي المصري، وضرورة أن تكون هذه الشراكة قائمة على الندية والمصلحة المتبادلة لا على المعادلات السياسية الطارئة.وتزامن انعقاد القمة مع استمرار الأزمة الإنسانية في غزة، ما ألقى بظلاله على جدول الأعمال.
فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى دور أكثر فعالية في المنطقة، فيما تحاول مصر الحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها الأمنية ودورها التاريخي في دعم القضية الفلسطينية.وهنا برزت القاهرة كوسيط محوري في إدارة المساعدات الإنسانية ومنع تصعيد الأوضاع، الأمر الذي منحها مساحة سياسية أوسع على الساحة الأوروبية والدولية.إنّ قمة بروكسل لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي العام؛ فهي تعكس إدراكًا متبادلًا لدى الطرفين بأنّ الأمن والاستقرار في ضفتي المتوسط متشابكان أكثر من أي وقت مضى.
غير أن مستقبل هذه الشراكة سيظل مرهونًا بقدرة الجانبين على بناء معادلة واقعية تجمع بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على القيم الحقوقية، وبين المصالح المشتركة والاستقلال الوطني.
وبينما تبدو القاهرة عازمة على تعميق تعاونها مع أوروبا، فإن الاتحاد الأوروبي من جانبه يدرك أن موقع مصر الجغرافي وثقلها الإقليمي يجعلانها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص البحر المتوسط أو الشرق الأوسط.ومن هنا، تبدو القمة الأولى خطوة تأسيسية لعلاقة جديدة — علاقة تحاول أن توازن بين الحسابات السياسية والاقتصادية وبين متطلبات الاستقرار الإنساني، في زمن تتقاطع فيه الأزمات والمصالح على نحو غير مسبوق.




