dhl
dhl

وسط القاهرة يتحوّل إلى معرض مفتوح… الفن يعيد الحياة إلى قلب المدينة

القاهرة – أميرة المحمدي:

في شوارع وسط القاهرة التي طالما كانت مسرحًا للحركة والتاريخ، تنبض الحياة هذا الخريف بإيقاع فني مختلف.فمنذ الثاني عشر من أكتوبر وحتى منتصف نوفمبر، تستضيف العاصمة المصرية الدورة الخامسة من “Cairo International Art District (CIAD) 2025″، بمشاركة أكثر من مئة وستين فنانًا من مصر والعالم، يعرضون أعمالهم في عدد من المباني التاريخية والممرات المفتوحة التي تحولت إلى فضاءات للفن الحديث.الحدث الذي تنظمه مؤسسة Art D’Egypte يسعى هذا العام إلى تحويل وسط البلد إلى ساحة تفاعل حيّة بين الجمهور والفنانين، بحيث يصبح الفن جزءًا من المشهد اليومي للمارة وسكان المنطقة، لا مجرد تجربة نخبوية داخل قاعات مغلقة.هذا التوجه ينسجم مع فلسفة المعرض منذ انطلاقه قبل خمس سنوات، وهي دمج الإبداع المعاصر مع التراث العمراني والثقافي للقاهرة، وإحياء مناطق تاريخية طالها الإهمال لتعود من جديد مركزًا للحوار الفني والحضاري.تنتشر الأعمال المعروضة في أماكن تحمل رمزية كبيرة مثل مبنى “ممر كوداك”، و”جاليري تاون هاوس”، و”عمارة الغوري”، حيث تمتزج الجداريات الحديثة بالعمارة الأوروبية الكلاسيكية التي ميّزت القاهرة في مطلع القرن العشرين.هذه المفارقة البصرية بين القديم والجديد تمنح الزائر إحساسًا بأن المدينة نفسها تشارك في العرض — مدينة تتبدل ملامحها لكنها تحتفظ بروحها.

وتتنوع الأعمال بين النحت، والتركيب البصري، والفيديو آرت، والفن الرقمي، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع في زمن تتحول فيه التجارب الفنية إلى وسائط رقمية متشابكة.الكثير من المشاركات هذا العام تطرح أسئلة عن الهوية والتحوّل: كيف يرى الفنان المصري والعربي ذاته في عالم سريع التغير؟وهل يمكن للفن أن يكون مساحة للتعبير عن قضايا المجتمع، لا مجرد ترف جمالي؟اللافت أنّ الحدث لا يقتصر على المعارض فقط، بل يشمل ورش عمل وندوات مفتوحة ولقاءات مع فنانين شباب، ما يجعله تجربة جماعية تُعيد للفن معناه الاجتماعي كأداة تواصل وتفاعل.وقد تحوّل حضور الجمهور من مجرد متفرج إلى مشارك فعلي في التجربة، حيث صارت شوارع وسط القاهرة تمتلئ بالزائرين من مختلف الأعمار والخلفيات، يتأملون الأعمال ويصوّرونها ويشاركونها على المنصات الرقمية، في مشهد يُذكّر بأن الفن لا يعيش في عزلة، بل في قلب الناس.وتكتسب دورة هذا العام بُعدًا خاصًا لأنها تأتي في مرحلة تستعيد فيها القاهرة مكانتها كمركز ثقافي عربي بعد سنوات من الركود، إذ يُنظر إلى هذا المعرض بوصفه إحدى أهم المبادرات التي تربط بين التراث الحي والفن المعاصر.ففي وقت يشهد فيه العالم العربي طفرة في المهرجانات والفعاليات الفنية، يظلّ ما يميز القاهرة هو ذلك المزج الفريد بين العمق التاريخي والروح الشعبية التي تجعل الفن جزءًا من الذاكرة اليومية لا حدثًا موسميًا عابرًا.وبين جدران الأبنية القديمة التي شهدت تحولات عقود طويلة، تتجدّد الآن لغة جديدة للفن — لغة تعيد تعريف علاقة الإنسان بمكانه، وتؤكد أن الإبداع ليس رفاهية بل وسيلة بصرية لإحياء المدن وإعادة اكتشاف الذات.إنّ Cairo International Art District 2025 ليس مجرد حدث فني، بل هو بيان حضاري يعكس رغبة جيل جديد من الفنانين في استعادة القاهرة من خلال الجمال والإبداع، لتصبح المدينة من جديد — كما كانت دائمًا — مرآة روح مصر الثقافية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.