القاهرة – نهاد شعبان:
في عالم يزداد فيه الكلام من شكل اتجاه، تبقى لغة الجسد هي الأكثر صدقا والأعمق تأثيرا، فبينما يمكن للكلمات أن تجمل أو تخفي ما يشعر به الإنسان، يبقى الجسد في كثير من الأحيان هو المعبر الأوضح عما يدور في داخل الإنسان عن طريق لغة الجسد وهي مجموعة الإشارات غير اللفظية التي يصدرها الإنسان عن طريق تعابير الوجه، وحركات اليدين، ووضعية الجسد، ونبرة الصوت، وحتى المسافة التي يختارها بينه وبين الآخرين، ويقدر علماء النفس أن أكثر من 60 في المائة من التواصل بين البشر يتم من خلال هذه اللغة غير المنطوقة، بينما تحتل الكلمات نسبة أقل بكثير في عملية الفهم والتفاعل، ويقول الخبراء إن أول ما يلفت الانتباه في التواصل هو العينان، فهما مرآة المشاعر، كما أن النظرات المباشرة تدل غالبا على الثقة والاهتمام، بينما تجنب النظر قد يكشف عن قلق أو رغبة في الإخفاء.

أما الابتسامة فهي سلاح ذو حدين، فقد تكون صادقة تعبر عن ود وانفتاح، أو مصطنعة تستخدم للمجاملة أو لتمرير موقف ما، يمكن التمييز بينهما من خلال تفاصيل الوجه، والابتسامة الحقيقية تحرك عضلات حول العينين، بينما المزيفة تقتصر على الشفاه فقط، أما حركة اليدين فبدورها لغة قائمة بذاتها، والشخص الذي يتحدث بثقة يميل إلى استخدام يديه لتأكيد أفكاره، في حين أن إخفاء اليدين أو تشبيك الذراعين قد يشير إلى انغلاق أو توتر، أما وضعية الجسد فهي مؤشر إضافي، فالجسد المائل نحو المتحدث يعني اهتماما، بينما الميل إلى الخلف أو الابتعاد الجسدي قد يعكس تحفظا أو رفضا، وفي الاجتماعات والمقابلات الوظيفية، يمكن للغة الجسد أن تحسم الانطباع الأول قبل أن يبدأ الحديث، كما أن الجلوس المنتصب والنظر في أعين الحاضرين، مع حركة يدين طبيعية، يوصل رسالة ثقة واحترام، أما التململ أو الانشغال بأشياء جانبية فيعكس توترا أو قلة اهتمام، وفي المقابل، على المديرين والقادة أن ينتبهوا لإشارات موظفيهم غير المنطوقة، فالتعب والإرهاق أو الانسحاب الصامت أحيانا أهم من أي شكوى صريحة.لا تتوقف أهمية لغة الجسد عند بيئة العمل، بل تمتد إلى العلاقات الشخصية والعاطفية، ففي العلاقات الأسرية، يستطيع أحد الوالدين أن يدرك مشاعر ابنه من حركة كتفيه أو تعبير وجهه حتى قبل أن ينطق بكلمة، وفي العلاقات العاطفية، تعد لغة الجسد مقياسا حقيقيا للصدق والانسجام، كما أن الاقتراب الجسدي، والتواصل البصري، واللمسات البسيطة، كلها مؤشرات على التفاهم والارتياح، بينما التباعد الجسدي أو الجمود الحركي قد يكشف عن فتور أو توتر غير معلن، ورغم أن لغة الجسد عالمية في بعض مظاهرها، فإنها تختلف من ثقافة إلى أخرى، فالإيماءة التي تعتبر ودية في مجتمع قد تفهم بشكل مختلف في مكان آخر، فعلى سبيل المثال، الاتصال البصري المباشر يعد علامة احترام وثقة في الثقافة الغربية، لكنه في بعض الثقافات الآسيوية قد يفسر على أنه تحد أو وقاحة، كذلك فإن المسافة المكانية المقبولة بين الأشخاص تختلف من بلد إلى آخر، فبينما يفضل العرب والأفارقة التواصل القريب، يفضل الأوروبيون مسافة أكبر للحفاظ على الخصوصية، ويدرك السياسيون والإعلاميون أهمية لغة الجسد في التأثير على الجمهور، فطريقة وقوف المتحدث، وحركة يديه أثناء الخطاب، ونبرة صوته، وحتى ابتسامته، كلها تحلل من قبل المشاهدين والخبراء لتقدير مدى صدقه أو قوته أو ثقته بنفسه، كما أن الكثير من الحملات الانتخابية تعتمد على مدربين متخصصين في لغة الجسد لتعليم المرشحين كيف يتحدثون بأجسادهم لا بكلماتهم فقط، وفي المقابل، أي حركة غير محسوبة قد تكلف السياسي الكثير من رصيده الشعبي، مع انتشار الاجتماعات الافتراضية عبر الشاشات، تغير شكل لغة الجسد لكنها لم تختفي، فتعابير الوجه ونبرة الصوت وحركة العينين عبر الكاميرا باتت أدوات جديدة لفهم نوايا المتحدثين، بل إن بعض الشركات بدأت تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل لغة الجسد في المقابلات الافتراضية وتقييم المتقدمين للوظائف، ورغم الانتقادات الأخلاقية لذلك، فإن الفكرة تكشف عن مدى إيمان العالم بقوة الإشارات غير اللفظية.


