القاهرة – نهاد شعبان:
في وسط القاهرة تجد قصر عابدين شامخا كأنه أحد شواهد الزمن على مجد مصر الملكي وعراقة فنونها المعمارية، حيث أنه ليس مجرد مبنى أثري أو تحفة معمارية، بل كتاب مفتوح يحكي فصولا من التاريخ المصري الحديث، منذ عهد الخديوي إسماعيل وحتى اليوم، داخل جدرانه المزخرفة بالذهب، تختبئ قصص الملوك والملكات، وأسرار السياسة والحكم، حيث تعود قصة القصر إلى عام 1863 حين تولى الخديوي إسماعيل حكم مصر، وكان يحلم بأن يجعل القاهرة قطعة من أوروبا، مدينة تضاهي باريس في الجمال والرقي، ولتحقيق ذلك الحلم، بدأ مشروع بناء قصر عابدين عام 1863 على أنقاض منزل قديم كان يملكه أحد القادة العسكريين ويدعى عابدين بك، الذي اشتق منه اسم القصر.
استعان إسماعيل بمجموعة من أمهر المهندسين والفنانين الأوروبيين، بقيادة المهندس الفرنسي “دي كوريل روسو”، الذي صمم القصر على الطراز الأوروبي الكلاسيكي الممزوج بالروح الشرقية، واستغرق بناؤه حوالي 10 سنوات، وبلغت تكلفته وقتها قرابة 700 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم بمعايير القرن التاسع عشر، فحين تقترب من قصر عابدين، تخطفك فخامته الخارجية بزخارفها المتقنة وشرفاته ذات الطابع الأوروبي، لكن الدهشة الحقيقية تبدأ عند دخولك إلى الداخل، هناك، تتجلى عظمة العمارة والفن في كل ركن ستجد قاعات فسيحة تزينها الثريات الكريستالية الضخمة، وسقوف مطلية بماء الذهب، وأرضيات من الرخام الإيطالي النادر، ويتألف القصر من أكثر من 500 غرفة و35 قاعة ضخمة، إضافة إلى قاعة العرش الشهيرة التي كانت تقام فيها المراسم الرسمية، مثل استقبال السفراء وحفلات التتويج، كما يضم القصر مسرحا ملكيا يعد من أقدم المسارح في مصر، كان يستخدم للعروض الخاصة التي يشاهدها أفراد العائلة المالكة وضيوفهم من الملوك والأمراء.وربما لا توجد جدران في مصر شهدت أحداثا سياسية وتاريخية بقدر ما شهدته جدران قصر عابدين، فمنه أدار الخديو إسماعيل شئون البلاد، وعاش فيه أبناؤه وأحفاده، مرورا بعهد الملك فؤاد الأول، وصولا إلى الملك فاروق، آخر ملوك مصر قبل إعلان الجمهورية عام 1952، ومن بين أشهر الأحداث التي جرت بين جدران القصر، حادثة 4 فبراير 1942، حين اقتحمت الدبابات البريطانية محيط القصر لإجبار الملك فاروق على تعيين مصطفى النحاس باشا رئيسا للوزراء، كان ذلك اليوم نقطة تحول في علاقة القصر بالسلطة، وترك أثرا عميقا في التاريخ السياسي المصري، وبعد قيام ثورة يوليو 1952، تحول القصر من مقر للملك إلى رمز للدولة الحديثة، ورغم أن الرؤساء اللاحقين لم يقيموا فيه إقامة دائمة، فإنه ظل يستخدم في المناسبات الرسمية واستقبال الوفود الأجنبية، إلى أن تحول في النهاية إلى متحف مفتوح يروي قصة مصر الملكية في أبهى صورها، ومن يدخل قصر عابدين اليوم يشعر كأنه يسافر عبر الزمن، فالمتحف يضم مجموعات نادرة من المقتنيات التي تعكس حياة القصور الملكية، منها الأسلحة النادرة، والأواني الفضية والذهبية، والهدايا الدبلوماسية التي تلقاها ملوك مصر من دول العالم.ومن أبرز ما يلفت الأنظار داخل القصر هو متحف الأسلحة، الذي يضم قطعا من العصور المختلفة، بعضها مرصع بالأحجار الكريمة ومهداة من ملوك أوروبا، كما يحتوي القصر على قاعة الفضيات التي تضم أطقما ملكية مذهلة استخدمت في الولائم الرسمية، وقاعة الأواني الكريستالية، فضلا عن متحف الوثائق التاريخية الذي يضم وثائق نادرة تتعلق بتاريخ الأسرة العلوية، ولم يلقب القصر بـ”الجدران الذهبية” عبثا، فالكثير من قاعاته تزينها نقوش مذهبة تمتد على الجدران والأسقف، صنعت بأيدي أمهر الفنانين في أوروبا ومصر، وتعد قاعة المرايا واحدة من أجمل القاعات، حيث تتلألأ الجدران بالمرايا العملاقة والثريات التي تعكس الضوء في مشهد يخطف الأنفاس، حتى الأثاث نفسه يعد قطعة فنية نادرة، صنع خصيصا للقصر من خشب الماهوجني والورد، وزين بنقوش فرنسية دقيقة وأقمشة فاخرة من الحرير الإيطالي، وفي السنوات الأخيرة، شهد قصر عابدين عمليات ترميم شاملة بإشراف متخصصين في الآثار والترميم المعماري، ليعود إلى رونقه الأصلي ويفتح أمام الزوار كمتحف رئاسي يضم عدة أجنحة، وأصبح القصر اليوم مزارا سياحيا وثقافيا مهما، يستقبل الزوار من داخل مصر وخارجها، ليعيشوا تجربة فريدة بين أروقة التاريخ.




